وقوله تعالى : وتخلت : أي بعد أن كانت لهم كفاتاً أحياءً وأمواتاً، وبعد أن كانت لهم مهاداً، لفظتهم وتخلت عنهم، وهذا ما يزيد في رهبة الموقف وشدته والتضييق على العباد، والا ملجأ لهم ولا منجى إلا إلى الله، كما قال تعالى :﴿ كَلاَّ لاَ وَزَرَ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر ﴾ [ القيامة : ١١-١٢ ].
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)
أي كما أذنت السماء، فالكون كله إذن مطيع منقاد لأوامر الله، طوعاً أو كرهاً.
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)
قيل : الإنسان للجنس وقيل لفرد، وهو محمد ﷺ، ولكن السياق يدل للأول للتقسيم الآتي، فأما من أوتى كتابه بيمينه، وأما من أوتي كتابه بشماله، لأنه لا يكون لفرد، وإنما للجنس وعلى أنه للجنس فالكدح العمل جهد النفس.
وقال ابن مقبل :
وما الدَّهر إلا تارتان فمنهما... أموت وأخرى أبتغي العَيش أكدح
وقال غيره مشيراً إلى أن الكدح فيه معنى النصب :
ومضت بشاشة كُل عيش صالح... وبقيت أكدح للحياة وأَنْصب
ويشهد لهذا قوله تعالى :﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي كَبَدٍ ﴾ [ البلد : ٤ ]، كما قدمنا في محله.
تنبيه
من هذا العرض القرآني الكريم من مقدمة تغيير أوضاع الكون سماء وأرضاً، ووضع الإنسان في يكدح إلى ربه كدحاً فملاقيه، أي بعمله الذي يحصل عليه من خلال كدحه، فإن العاقل المتبصر لا يجعل كدحه إلاّ فيما يرضي الله ويرضي هو به، إذا لقي ربه ما دام أنه كادح، لا محالة كما هو مشاهد.
تنبيه آخر
قوله تعالى :﴿ يا أيها الإنسان ﴾ عام في الشمول لكل إنسان مهما كان حاله من مؤمن وكافر، ومن بر وفاجر، والكل يكدح ويعمل جاهد التحصيل ما هو مقبل عليى، كما في الحديث :" اعملوا كل ميسر لما خلق له " أي ومجد فيه وراض به، وهذا منتهى حكمة العليم الخبير.