وهؤلاء قوم حفروا حفائر في الأرض وأوقدوا فيها النار، وألقَوا فيها من لم يكفر.
واختلف العلماء فيهم على ستة أقوال.
أحدها : أنه مَلِكٌ كان له ساحر فبعث إليه غلاماً يعلِّمه السحر، وكان الغلام يمرُّ على راهب، فأعجبه أمره، فتبعه، فعلم به المَلِك، فأمره أن يرجع عن دينه، فقال : لا أفعل، فاجتهد الملك في إهلاكه، فلم يقدر، فقال الغلام : لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به.
اجمع الناس في صعيد واحد، واصلبني على جذع، وارمني بسهم من كنانتي، وقل : بسم الله ربِّ الغلام، ففعل، فمات الغلام، فقال الناس : آمنا برب الغلام، فخدَّ الأخاديد، وأضرم فيها النار، وقال : من لم يرجع عن دينه فاقحموه فيها، ففعلوا، وهذا مختصر الحديث، وفيه طول، وقد ذكرته في "المغني" و "الحدائق" بطوله من حديث صهيب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني : أن ملكاً من الملوك سكر، فوقع على أخته، فلما أفاق قال لها :
ويحك : كيف المخرج؟ فقالت له : اجمع أهل مملكتك فأخبرهم أن الله عز وجل قد أَحَلَّ نكاح الأخوات، فإذا ذهب هذا في الناس وتناسَوه، خطبتَهم فحرَّمته.
ففعل ذلك، فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فبسط فيهم السوط، ثم جرَّد السيف، فأبَوْا فخدَّ لهم أخدودا، وأوقد فيه النار، وقذف من أبى قبول ذلك، قاله علي بن طالب.
والثالث : أنهم ناس اقتتل مؤمنوهم وكفارهم، فظهر المؤمنون، ثم تعاهدوا أن لا يَغدِر بعضهم ببعض، فغَدَر كفارهم، فأخذوهم، فقال له رجل من المؤمنين : أوقدوا ناراً، واعرضوا عليها، فمن تابعكم على دينكم، فذاك الذي تحبون، ومن لم يتبعكم أُقحم النار فاسترحتم منه، ففعلوا، فجعل المسلمون يقتحمونها، ذكره قتادة.
والرابع : أن قوماً من المؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، فأرسل إليهم جبَّار من عبدة الأوثان، فعرض عليهم الدخول في دينه فأَبَوْا، فخدَّلهم أخدودا، وألقاهم فيه، قاله الربيع بن أنس.