وأنشد أبو حيان بيت الآعشى :
تشب لمقرورين يطليلانها... وَبات على النار الندى والمحلق
وقد استدل صاحب القول الأول بقوله تعالى الآتي :﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ﴾ [ البروج : ١٠ ]، فقال : الحريق في الدنيا وجهنم في الآخرة.
ولكن في الآية قرينة، على أن الضمائر راجعة إلى الكفار الذين قتلوا المؤمنين وأحرقوهم، وهي قوله :﴿ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق ﴾ [ البروج : ١٠ ]، حيث رتب العذاب المذكور على عدم التوبة، وجاء بثم التي هي للتراخي، مما يدل على أنهم لم تحرقهم نارهم انتقاماً منهم حالاً، بل أمهلوا ليتوبوا من فعلتهم الشنيعة، وإلاَّ فلهم العذاب المذكور في الآخرة. والله تعالى أعلم.
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧)
بمعنى حضور يتفق قوله تعالى :﴿ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ﴾ [ البروج : ٦ ]، أي حضور يشاهدون إحراق المؤمنين، وهذا زيادة في التكبيت بهم، إذ يرون هذا المظهر بأعينهم ولم يشفقوا بهم ولم يعتبروا بثباتهم.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)
هذا ما يسمى أسلوب المدح بما يشبه الذم ونظيره في العربية أقوال الشاعر :
ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم... بهن فلول من قراع الكَتائب
وذكر أبو حيان قول الشاعر : وهو قيس الرقيات :
ما نقموا من بني أمية إلا... أنهم يحلمون إن غضبُوا
وقول الآخر :
ولا عَيب فيها غَير شكله عينها... كذاك عناق الطَّير شكلا عيونها
يقال عين شكلاء : إذا كان في بياضها حمرة قليلة يسيرة :


الصفحة التالية
Icon