يحتمل أن يكون مراداً به أصحاب الأخدود، وفتنوا بمعنى أحرقوا، ويحتمل أن يكون عاماً في كل من أذى المؤمنين ليفتنوهم عن دينهم ويردوهم عنه بأي أنواع الفتنة والتعذيب.
وقد رجع الأخير أبو حيان وحمله على العموم أولى، ليشمل كفار قريش بالوعيد والتهديد، وتوجيههم إلى التوبة مما أوقعوه بضعة المؤمنين، كعمار وبلال وصهيب وغيرهم.
ويرجح هذا العموم، العموم الآخر الذي يقابله في قوله :﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الفوز الكبير ﴾ [ البروج : ١١ ]، فهذا عام بلا خلاف في كل من اتصف بهذه الصفات.
إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)
في مقام المنطوق بالمفهوم من العزيز الحميد، كما تقدم.
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)
قيل : يبدئ الخلق ويعيده، كالزرع والنبات والإنسان بالمولد والموت، ثم بالبعث.
قيل : يبدأ الكفار بالعذاب ويعيده عليهم، واستدل لهذا بقوله ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب ﴾ [ النساء : ٥٦ ].
وفي الحديث :" ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلاَّ إذا كان يوم القيامة، طح لها بقاع قرقر، ثم يأتي بها أوفر ما تكون سمناً فتطؤه بخفافها فتستن عليه كما مر عليه أخراها أعيد عليه أولها، حتى يقضي بين الخلائق فيرى مصيره إما إلى جنة، وإما إلى نار " إلى آخر الحديث في صاحب البقر والغنم والذهب.
ولكن الذي يظهر والله تعالى أعلم هو الأول، لأنه يكثر في القرآن كقوله تعالى :﴿ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ [ يونس : ٣٤ ]. وقوله ﴿ قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ [ يونس : ٣٤ ].


الصفحة التالية
Icon