لطيفة أخرى
قال العلامة مجد الدين الفيروزابادى :
( بصيرة فى نسى )
النِّسيان : تَرْكُ الإِنسان ضَبْطَ ما اسْتُودِعَ، إِمّا لضَعْف قَلْبه، وإِمّا عن غَفْلةٍ، وإِمّا عن قَصْد حتى يرتفع عن القَلْبِ ذِكْرُه.
نَسِيتُه نِسْياناً وتَناسَيْتُه، وأَنْسانِيةُ شَيْطانٌ ونَسّانِيه، قال تعالى :﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾.
وقوله تعالى :﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى﴾ إِخبارٌ وضَمان من الله تعالى أَنَّه يجعله بحيث إِنَّه لا يَنْسَى ما يسمعه من الحقِّ.
وكلّ نِسْيان من الإِنسان ذَمَّة الله تعالى به فهو ما كان أَصلُه عن تَعَمُّد منه لا يُعْذر فيه، وما عُذِرَ فيه فإِنَّه لا يُؤاخَذُ به نحو قوله صلَّى الله عليه وسلَّم "رُفِعَ عن أُمَّتى الخَطَأُ والنِّسيانُ"، فهو ما لم يكن سببه منه.
وقوله ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَاذَآ﴾ هو ما كان نسيه عن تعمّد منهم وتركُه على طريقِ الإِهانة.
وإِذا نُسِب ذلك إِلى الله تعالى فهو تَرْكُه إِيّاهم استهانةً بهم ومُجازاةً لما تركوه.
وقوله تعالى :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ تنبيه أَنَّ الإِنسان بمعرفته لنفسه يعرف الله، فنسيانه لله هو من نسيانه نفسه.
ويُقال : نسيتُ الشئَ أَى تركْتُه، ومنه/ قوله تعالى :﴿نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾.
وقوله تعالى :﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال ابنُ عبّاس رضى الله عنهما : إِذا قلتَ شيئاً ولم تقل إِن شاءَ الله فقُلْه إِذا تَذَكَّرْتَه.
وبهذا أَجاز الاستثناءَ بعد مدّة.
وقال عِكْرِمَةُ : معنَى نَسِيتَ ارتكبتَ ذَنْباً، ومعناه اذكُرِ الله إِذا أَردتَ وقَصَدْت ارتكاب ذَنْب يَكُنْ ذلك دافِعاً لك.
والنِسْىُ أَصله ما يُنْسَى كالنِقْضُ لما يُنْقَض، وصار عُرْفاً اسماً لما يَقِلُّ الاعتدادُ به.
ومن هذا يقُول العرب : احْفَظُوا أَنْساءَكم.
أَى ما من شَأْنِه أَنْ يُنْسَى.


الصفحة التالية
Icon