فثبت أن العلو ههنا ليس بمعنى العلو في الجهة، مما يؤكد ذلك أن ما قبل هذه الآية وما بعدها ينافي أن يكون المراد هو العلو بالجهة، أما قبل الآية فلأن العلو عبارة عن كونه في غاية البعد عن العالم، وهذا لا يناسب استحقاق التسبيح والثناء والتعظيم، أما العلو بمعنى كمال القدرة والتفرد بالتخليق والإبداع فيناسب ذلك، والسورة ههنا مذكورة لبيان وصفه تعالى بما لأجله يستحق الحمد والثناء والتعظيم، وأما ما بعد هذه الآية فلأنه أردف قوله :﴿الأعلى﴾ بقوله :﴿الذي خَلَقَ فسوى﴾ والخالقية تناسب العلو بحسب القدرة لا العلو بحسب الجهة.
المسألة السادسة :
من الملحدين من قال : بأن القرآن مشعر بأن للعالم ربين أحدهما عظيم والآخر أعلى منه، أما العظيم فقوله :﴿فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم﴾ وأما الأعلى منه فقوله :﴿سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى﴾ فهذا يقتضي وجود رب آخر يكون هذا أعلى بالنسبة إليه.
واعلم أنه لما دلت الدلائل على أن الصانع تعالى واحد سقط هذا السؤال، ثم نقول ليس في هذه الآية أنه سبحانه وتعالى أعلى من رب آخر، بل ليس فيه إلا أنه أعلى، ثم لنا فيه تأويلات.
الأول : أنه تعالى أعلى وأجل وأعظم من كل ما يصفه به الواصفون، ومن كل ذكر يذكره به الذاكرون، فجلال كبريائه أعلى من معارفنا وإدراكاتنا، وأصناف آلائه ونعمائه أعلى من حمدنا وشكرنا، وأنواع حقوقه أعلى من طاعاتنا وأعمالنا.
الثاني : أن قوله :﴿الأعلى﴾ تنبيه على استحقاق الله التنزيه من كل نقص فكأنه قال سبحانه فإنه : الأَعْلَى أي فإنه العالي على كل شيء بملكه وسلطانه وقدرته، وهو كما تقول : اجتنبت الخمر المزيلة للعقل أي اجتنبتها بسبب كونها مزيلة للعقل.
والثالث : أن يكون المراد بالأعلى العالي كما أن المراد بالأكبر الكبير.
المسألة السابعة :


الصفحة التالية
Icon