قال مجاهد والكلبي : كان النبيّ ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالوحي، لم يفرغ جبريل من آخر الآية، حتى يتكلم النبيّ ﷺ بأوّلِها، مخافة أن يَنْساها ؛ فنزلت :﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى ﴾ بعد ذلك شيئاً، فقد كَفَيتُكَه.
ووجه الاستثناء على هذا، ما قاله الفراء : إلا ما شاء الله، وهو لم يشأ أَن تنسى شيئاً ؛ كقوله تعالى :﴿ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ ﴾ [ هود : ١٠٧ ] ولا يشاء.
ويقال في الكلام : لأعطينك كل ما سألت إلا ما شئتُ، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية على ألاَّ يمنعه شيئاً.
فعلى هذا مجارِي الأَيمان ؛ يُسْتثَنى فيها ونية الحالف التمام.
وفي رواية أبي صالح عن ابن عباس : فلم ينس بعد نزول هذه الآية حتى مات، "إلا ما شاء الله".
وعن سعيد عن قتادة، قال : كان رسول الله ﷺ لا ينسَى شيئاً ؛ "إلا ما شاء الله".
وعلى هذه الأقوال قيل : إلا ما شاء الله أن يَنْسَى، ولكنه لم ينسَ شيئاً منه بعد نزول هذه الآية.
وقيل : إلا ما شاء الله أن ينسى، ثم يذكر بعد ذلك ؛ فإذاً قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى نسياناً كُلّياً.
وقد رُوِي " أنه أسقط آية في قراءته في الصلاة، فحسِب أُبَيّ أنها نسِخت، فسأله فقال :"إني نسيتها" " وقيل : هو من النسيان ؛ أي إلا ما شاء الله أن ينسيك.
ثم قيل : هذا بمعنى النسخ ؛ أي إلا ما شاء الله أن ينسخه.
والاستثناء نوع من النسخ.
وقيل : النسيان بمعنى الترك ؛ أي يعصِمك من أن تترك العمل به ؛ إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه إياه.
فهذا في نسخ العمل، والأوّل في نسخ القراءة.


الصفحة التالية
Icon