فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)
صفة ثالثة ل ﴿ جنة ﴾ [ الغاشية : ١٠ ].
فالمراد جنس العيون كقوله تعالى :﴿ علمت نفس ما أحضرت ﴾ [ التكوير : ١٤ ]، أي علمت النفوس، وهذا وصف للجنة باستكمالها محاسن الجنات قال تعالى :﴿ أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً ﴾ [ الإسراء : ٩١ ].
وإنما لم تعطف على الجملة التي قبلهما لاختلافهما بالفعلية في الأولى والإسمية في الثانية، وذلك الاختلاف من محسنات الفصل ولأن جملة :﴿ لا تسمع فيها لاغيةٌ ﴾ مقصود منها التنزه عن النقائص وجملة :﴿ فيها عين جارية ﴾ مقصود منها إثبات بعض محاسنها.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
صفة رابعة لجنة.
وأعيد قوله :﴿ فيها ﴾ دون أن يعطف ﴿ سرر ﴾ على ﴿ عين ﴾ [ الغاشية : ١٢ ] عطفَ المفردات لأن عطف السرر على ﴿ عَيْنٌ ﴾ يبدو نابياً عن الذوق لعدم الجامع بين عين الماء والسرر في الذهن لولا أن جمعها الكون في الجنة فلذلك كرر ظرف ﴿ فيها ﴾ تصريحاً بأن تلك الظرفية هي الجامع، ولأن بين ظرفية العين الجارية في الجنة وبين ظرفية السرر وما عطف عليه من متاع القصور والأثاث تفاوتاً ولذلك عطف ﴿ وأكواب ﴾، ﴿ ونمارق ﴾، ﴿ وزرابي ﴾، لأنها متماثلة في أنها من متاع المساكن الفائقة.
وهذا وصف لمحاسن الجنة بمحاسن أثاث قصورها فضمير فيها عائد للجنة باعتبار أن ما في قصورها هو مظروف فيها بواسطة.
و﴿ سُرر ﴾ : جمع سرير، وهو ما يُجلس عليه ويضطجع عليه فيسع الإنسان المضطجع، يتخذ من خشب أو حديد له قوائم ليكون مرتفعاً عن الأرض.
ولما كان الارتفاع عن الأرض مأخوذاً في مفهوم السرر كان وصفها بـ ﴿ مرفوعة ﴾ لتصوير حُسنها.
و﴿ الأكواب ﴾ : جمع كُوب بضم الكاف، وهو إناء للخَمر له ساق ولا عروة له.