فصل
قال الفخر :
أما قوله تعالى :﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ﴾
أي كان مقتحم العقبة من الذين آمنوا، فإنه إن لم يكن منهم لم ينتفع بشيء من هذه الطاعات، ولا مقتحماً للعقبة فإن قيل : لما كان الإيمان شرطاً للانتفاع بهذه الطاعات وجب كونه مقدماً عليها، فما السبب في أن الله تعالى أخره عنها بقوله :﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ﴾ ؟ والجواب : من وجوه أحدها : أن هذا التراخي في الذكر لا في الوجود، كقوله :
إن من ساد ثم ساد أبوه.. ثم قد ساد قبل ذلك جده
لم يرد بقوله : ثم ساد أبوه التأخر في الوجود، وإنما المعنى، ثم اذكر أنه ساد أبوه.
كذلك في الآية وثانيها : أن يكون المراد، ثم كان في عاقبة أمره من الذين آمنوا وهو أن يموت على الإيمان فإن الموافاة شرط الانتفاع بالطاعات وثالثها : أن من أتى بهذه القرب تقربا إلى الله تعالى قبل إيمانه بمحمد ﷺ ثم آمن بعد ذلك بمحمد عليه الصلاة والسلام، فعند بعضهم أنه يثاب على تلك الطاعات، قالوا : ويدل عليه ما روي : أن حكيم بن حزام بعدما أسلم قال لرسول الله ﷺ :"إنا كنا نأتي بأعمال الخير في الجاهلية فهل لنا منها شيء ؟ فقال عليه السلام :" أسلمت على ما قدمت من الخير " ورابعها : أن المراد من قوله :﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ﴾ تراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العنق والصدقة لأن درجة ثواب الإيمان أعظم بكثير من درجة ثواب سائر الأعمال.