والتحديث : الإِخبار، أي أخْبِر بما أنعم الله عليك اعترافاً بفضله، وذلك من الشكر، والقول في تقديم المجرور وهو ﴿ بنعمة ربك ﴾ على متعلَّقه كالقول في تقديم ﴿ فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر ﴾.
والخطاب للنبيء ﷺ فمقتضى الأمر في المواضع الثلاثة أن تكون خاصة به، وأصل الأمر الوجوب، فيعلم أن النبي ﷺ واجب عليه ما أمر به، وأما مخاطبة أمته بذلك فتجري على أصل مساواة الأمة لنبيها فيما فرض عليه ما لم يدلّ دليل على الخصوصية، فأما مساواة الأمة له في منع قهر اليتيم ونهر السائل فدلائله كثيرة مع ما يقتضيه أصل المساواة.
وأما مساواة الأمة له في الأمر بالتحدث بنعمة الله فإن نعم الله على نبيه ﷺ شتّى منها ما لا مطمع لغيره من الأمة فيه مثل نعمة الرسالة ونعمة القرآن ونحو ذلك من مقتضيات الاصطفاء الأكبر، ونعمة الرب في الآية مُجملة.
فنعم الله التي أنعم بها على نبيه ﷺ كثيرة منها ما يجب تحديثه به وهو تبليغه الناس أنه رسول من الله وأن الله أوحى إليه وذلك داخل في تبليغ الرسالة وقد كان يُعلم الناسَ الإِسلام فيقول لمن يخاطبه أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
ومنها تعريفه الناس ما يجب له من البر والطاعة كقوله لمن قال له :" اعدل يا رسول الله فقال : أيأمنُني الله على وحيه ولا تأمنوني " ومنها ما يدخل التحديث به في واجب الشكر على النعمة فهذا وجوبه على النبي ﷺ خالص من عُروض المعارض لأن النبي ﷺ معصوم من عروض الرياء ولا يظن الناس به ذلك فوجوبه عليه ثابت.
وأما الأمة فقد يكون التحديث بالنعمة منهم محفوفاً برياء أو تفاخر.
وقد ينكسر له خاطر من هو غير واجد مثل النعمة المتحدث بها.
وهذا مجال للنظر في المعارضة بين المقتضي والمانع، وطريقة الجمع بينهما إن أمكن أو الترجيح لأحدهما.