ثم زاد سبحانه هذا الوعد تقريراً وتأكيداً، فقال : مكرّراً له بلفظ ﴿ إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً ﴾ أي : إن مع ذلك العسر المذكور سابقاً يسراً آخر لما تقرّر من أنه إذا أعيد المعرّف يكون الثاني عين الأوّل سواء كان المراد به الجنس أو العهد، بخلاف المنكر إذا أعيد، فإنه يراد بالثاني فرد مغاير لما أريد بالفرد الأوّل في الغالب، ولهذا قال النبيّ ﷺ في معنى هذه الآية :
" لن يغلب عسر يسرين " قال الواحدي : وهذا قول النبي ﷺ والصحابة والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان.
قال الزجاج : ذكر العسر مع الألف واللام ثم ثنى ذكره، فصار المعنى : إن مع العسر يسرين.
قيل، والتنكير في اليسر للتفخيم والتعظيم، وهو في مصحف ابن مسعود غير مكرّر.
قرأ الجمهور بسكون السين في العسر، واليسر في الموضعين.
وقرأ يحيى بن وثاب، وأبو جعفر، وعيسى بضمها في الجميع.
﴿ فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب ﴾ أي : إذا فرغت من صلاتك، أو من التبليغ، أو من الغزو، فانصب، أي : فاجتهد في الدعاء، واطلب من الله حاجتك، أو فانصب في العبادة.
والنصب : التعب.
يقال : نصب ينصب نصباً، أي : تعب.
قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي : إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة يعطك، وكذا قال مجاهد.
قال الشعبي : إذا فرغت من التشهد، فادعو لدنياك وآخرتك، وكذا قال الزهري.
وقال الكلبي أيضاً : إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب أي : استغفر لذنبك، وللمؤمنين والمؤمنات.
وقال الحسن، وقتادة : إذا فرغت من جهاد عدوّك، فانصب لعبادة ربك.
وقال مجاهد أيضاً : إذا فرغت من دنياك، فانصب في صلاتك، ﴿ وإلى رَبّكَ فارغب ﴾ قال الزجاج : أي : اجعل رغبتك إلى الله وحده.
قال عطاء : يريد أنه يضرع إليه راهباً من النار، راغباً في الجنة.


الصفحة التالية
Icon