وقال ابن عاشور :
﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) ﴾
الفاء فصيحة تفصح عن كلام مقدر يدل عليه الاستفهام التقريري هنا، أي إذا علمت هذا وتقرر، تعلَمُ أن اليسر مصاحب للعسر، وإذ كان اليسر نقيض العسر كانت مصاحبةُ اليسر للعسر مقتضيةً نقضَ تأثير العسر ومبطلة لعمله، فهو كناية رمزية عن إدراك العناية الإلهية به فيما سبق، وتعريض بالوعد باستمرار ذلك في كل أحواله.
وسياق الكلام وعد للنبيء ﷺ بأن يُيَسر اللَّهُ له المصاعب كلَّما عرضت له، فاليسر لا يتخلف عن اللحاق بتلك المصاعب، وذلك من خصائص كلمة ﴿ مع ﴾ الدالة على المصاحبة.
وكلمة ﴿ مع ﴾ هنا مستعملة في غير حقيقة معناها لأن العسر واليسر نقيضان فمقارنتهما معاً مستحيلة، فتعين أن المعيّة مستعارة لقرب حصول اليسر عقب حلول العسر أو ظهور بوادره، بقرينة استحالة المعنى الحقيقي للمعية.
وبذلك يندفع التعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى :﴿ سيجعل اللَّه بعد عسر يسراً ﴾ في سورة الطلاق ( ٧ ).
فهذه الآية في عسر خاص يعرض للنبيء، وآية سورة الطلاق عامة، وللبعْدية فيها مراتب متفاوتة.
فالتعريف في العسر } تعريف العهد، أي العسر الذي عَهِدْتَه وعلمتَه وهو من قبيل ما يسميه نحاة الكوفة بأن ( ال ) فيه عوض عن المضاف إليه نحو قوله تعالى :﴿ فإن الجنة هي المأوى ﴾ [ النازعات : ٤١ ] أي فإن مع عُسرك يسراً، فتكون السورة كلها مقصورة على بيان كرامة النبي ﷺ عند ربه تعالى.
وعد الله تعالى نبيئه ﷺ بأن الله جعل الأمور العسرة عليه يسرة له وهو ما سبق وعده له بقوله :﴿ ونيسرك لليسرى ﴾ [ الأعلى : ٨ ].
وحرف ﴿ إنْ ﴾ للاهتمام بالخبر.
وإنما لم يستغن بها عن الفاء كما يقول الشيخ عبد القاهر :( إنَّ ) تغني غَناء فاء التسبب، لأن الفاء هنا أريد بها الفصيحة مع التسبب فلو اقتصر عَلى حرف ( إنّ ) لفات معنى الفصيحة.