أما البلد الأمين فهو مكة لقوله تعالى :﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ [ آل عمران : ٩٧ ]، فالأمين بمعنى الأمن، أي من الأعداء، أن يحاربوا أهله أو يغزوهم، كما قال تعالى :﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [ العنكبوت : ٦٧ ]، والأمين بمعنى أمن جاء في قول الشاعر :
ألم تعلمي يا أسم ويحك أنني... حلفت يميناً لا أخون أميني
يريد : آمني.
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)
وهذا هو المقسم عليه، والتقويم التعديل كما في قوله :﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ [ الكهف : ١-٢ ]، وأحسن تقويم شامل لخلق الإنسان حساً ومعنى أي شكلاً وصورة وإنسانية، وكلها من آيات القدرة ودلالة البعث.
وروى عن علي رضي الله عنه :
دواؤك منك ولا تشعر... وداؤك منك ولا تبصر
ونزعم أنك جرم صغير... وفيك انطوى العالم الكبير
وقد بين تعالى خلقه ابتداء من نطفة فعلقة إلى آخره في أكثر من موضع، كما في قوله :﴿ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِيَ الموتى ﴾ [ القيامة : ٣٧-٤٠ ].
وكذلك في هذه السورة التنبيه على البعث بقوله :﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين ﴾ [ التين : ٧ ].
أما الجانب المعنوي فهو الجانب الإنساني، وهو المتقدم في قوله :﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ [ الشمس : ٧ ]، على ما قدمنا هناك، من أن النفس البشرية هي مناط التكليف، وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنساناً، وبهما كان خلقه في أحسن تقويم، ونال بذلك أعلى درجات التكريم :﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ [ الإسراء : ٧٠ ].


الصفحة التالية
Icon