وإن في ذكر البلد الأمين لترشيح لهذا المعنى، لأن الله جعل الحرم لأهل مكة أمناً كصورة الآمن في الجنة، فإن امتثلوا وأطاعوا نعموا بهذا الأمن، وإن تمردوا وعصوا، فيخرجون منها ويحرمون أمنها.
وهكذا تكون السورة ربطاً بين الماضي والحاضر، وانطلاقاً من الحاضر إلى المستقبل، فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين. فيما فعل بآدم وفيما يفعل بأولئك، حيث أنعم عليهم بالأمن والعيش الرغد، وإرسالك إليهم وفيما يفعل لمن آمن أو بمن يكفر، اللَّهم بلى.
فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)
فالدين هو الجزاء كما في سورة الفاتحة ﴿ مالك يَوْمِ الدين ﴾ [ الفاتحة : ٤ ] والخطاب قيل للرسول صلى الله عليه وسلم.
وأن ما في قوله : فما هي بمعنى من أي، فمن الذي يكذبك بعد هذا البيان، بمجيء الجزاء والحساب ليلقى كل جزاء عمله.
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨)
السؤال كما تقدم في ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ ﴾ [ الشرح : ١ ]، أي للإثبات، وهو سبحانه وتعالى بلا شك أحكم الحاكمين، كما ثبت عنه ﷺ أنه كان إذا قرأها قال :" اللهم بلى " كما سيأتي.
وأحكم الحاكمين، قيل : أفعل تفضيل من الحكم أي أعدل الحاكمين، كما في قوله تعالى :﴿ وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾ [ الكهف : ٤٩ ].
وقيل : من الحكمة، أي في الصنع والإتقان والخلق، فيكون اللفظ مشتركاً، ولا يبعد أن يكون من المعنيين معاً، وإن كان هو في الحكم أظهر، لأن الحكيم من الحكمة يجمع على الحكماء.
فعلى القول بالأمرين : يكون من استعمال المشترك في معنييه معاً، وهو هنا لا تعارض بل هما متلازمان، لأن الحكيم لا بد أن يعدل، والعادل لا بد أن يكون حكيماً يضع الأمور في مواضعها.


الصفحة التالية
Icon