والمعنى : أيّ شيء تجعله دارياً بها؟ وقد قدّمنا الكلام في إعراب هذه الجملة في قوله ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة ﴾ [ الحاقة : ٣ ] ثم قال :﴿ لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ قال كثير من المفسرين، أي : العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
واختار هذا الفراء، والزجاج، ولك أن الأوقات إنما يفضل بعضها على بعض بما يكون فيها من الخير والنفع.
فلما جعل الله الخير الكثير في ليلة كانت خيراً من ألف شهر لا يكون فيها من الخير والبركة ما في هذه الليلة.
وقيل : أراد بقوله ألف شهر جميع الدهر ؛ لأن العرب تذكر الألف في كثير من الأشياء على طريق المبالغة.
وقيل : وجه ذكر الألف الشهر أن العابد كان فيما مضى لا يسمى عابداً حتى يعبد الله ألف شهر، وذلك ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل الله سبحانه لأمة محمد عبادة ليلة خيراً من عبادة ألف شهر كانوا يعبدونها.
وقيل : إنّ النبيّ ﷺ رأى أعمار أمته قصيرة، فخاف أن لا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر وجعلها خيراً من ألف شهر لسائر الأمم.
وقيل : غير ذلك مما لا طائل تحته.
وجملة :﴿ تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم ﴾ مستأنفة مبينة لوجه فضلها موضحة للعلة التي صارت بها خيراً من ألف شهر.
وقوله :﴿ بِإِذْنِ رَبّهِمْ ﴾ يتعلق ب ﴿ تنزل ﴾، أو بمحذوف، هو حال، أي : ملتبسين بإذن ربهم، والإذن الأمر، ومعنى ﴿ تنزل ﴾ : تهبط من السماوات إلى الأرض.
والروح هو جبريل عند جمهور المفسرين، أي : تنزل الملائكة ومعهم جبريل، ووجه ذكره بعد دخوله في الملائكة التعظيم له والتشريف لشأنه.
وقيل الرّوح صنف من الملائكة هم أشرافهم.
وقيل هم جند من جنود الله من غير الملائكة.
وقيل : الروح الرحمة، وقد تقدّم الخلاف في الروح عند قوله :﴿ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً ﴾ [ النبأ : ٣٨ ].


الصفحة التالية
Icon