أريد إبطال معاذيرهم وإقامة الحجة عليهم بأن البينة التي ينتظرونها قد حلّت ولكنهم لا يتدبرون أو لا ينصفون أو لا يفقهون، قال تعالى :
﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ [ البقرة : ٨٩ ].
وتنكير ﴿ رسول ﴾ للنوعية المرادِ منها تيسير ما يستصعب كتنكير قوله تعالى :﴿ أياماً معدودات ﴾ [ البقرة : ١٨٤ ] وقول :﴿ المص كتاب أنزل إليك ﴾ [ الأعراف : ١، ٢ ].
وفي هذا التبيين إبطال لمعاذيرهم كأنه قيل : فقد جاءتكم البينة، على حد قوله تعالى :﴿ أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ [ المائدة : ١٩ ]، وهو يفيد أن البينة هي الرسول وذلك مثل قوله تعالى :﴿ قد أنزل اللَّه إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات اللَّه ﴾ [ الطلاق : ١٠، ١١ ].
فأسلوب هذا الردّ مثل أسلوب قوله تعالى :﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي باللَّه والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث اللَّه بشراً رسولاً ﴾ [ الإسراء : ٩٠ ٩٤ ].
وفي هذا تذكير بغلطهم فإن كتبهم ما وعدت إلا بمجيء رسول معه شريعة وكتاب مصدق لما بين يديه وذلك مما يندرج في قولة التوراة :"وأجْعَلُ كلامي في فمه".
وقول الإنجيل :"ويُذَكِّرُكم بكل ما قلتُه لكم" كما تقدم آنفاً، وهو ما أشار إليه قوله تعالى :﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ﴾ [ المائدة : ٤٨ ] لأن التوراة والإنجيل لم يصفا النبي الموعود به إلا بأنه مثل موسى أو مثل عيسى، أي في أنه رسول يوحي الله إليه بشريعة، وأنه يبلغ عن الله وينطلق بوحيه، وأن علامته هو الصدق كما تقدم آنفاً.