أما حبك وعرفانك فلا أخرجهما من قلبي، ثم إنه لما بقيت المعرفة والمحبة في أرض القلب انفجر من هذا الينبوع أنهار وجداول، فالجدول الذي وصل إلى العين حصل منه الاعتبار، والذي وصل إلى الأذن حصل منه استماع مناجاة الموجودات وتسبيحاتهم، وهكذا في جميع الأعضاء والجوارح، فيقول الله : عبدي جعلت قلبك كالجنة لي وأجريت فيه تلك الأنهار دائمة مخلدة، فأنت مع عجزك وقصورك فعلت هذا، فأنا أولى بالجود والكرم والرحمة فجنة بجنة، فلهذا قال :﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جنات عَدْنٍ * تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ بل كأن الكريم الرحيم يقول : عبدي أعطاني كل ما ملكه، وأنا أعطيته بعض ما في ملكي، وأنا أولى منه بالكرم والجود، فلا جرم جعلت هذا البعض منه موهوباً دائماً مخلداً، حتى يكون دوامه وخلوده جابراً لما فيه من النقصان الحاصل بسبب البعضية.
المسألة الثانية :
الجزاء اسم لما يقع به الكفاية، ومنه اجتزت الماشية بالحشيش الرطب عن الماء، فهذا يفيد معنيين أحدهما : أنه يعطيه الجزاء الوافر من غير نقص والثاني : أنه تعالى يعطيه ما يقع به الكفاية، فلا يبقى في نفسه شيء إلا والمطلوب يكون حاصلاً، على ما قال :﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ﴾ [ فصلت : ٣١ ].
المسألة الثانية :
قال :﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ فأضاف الجزاء إليهم، والإضافة المطلقة تدل على الملكية فكيف الجمع بينه وبين قوله :


الصفحة التالية
Icon