﴿الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ﴾ [ فاطر : ٣٥ ] والجواب : أما أهل السنة فإنهم يقولون : إنه لو قال الملك الكريم : من حرك أصبعه أعطيته ألف دينار، فهذا شرط وجزاء بحسب اللغة وبحسب الوضع لا بحسب الاستحقاق الذاتي، فقوله :﴿جَزَآؤُهُمْ﴾ يكفي في صدقه هذا المعنى وأما المعتزلة فإنهم قالوا : في قوله تعالى :﴿الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ﴾ إن كلمة من لابتداء الغاية، فالمعنى أن استحقاق هذه الجنان، إنما حصل بسبب فضلك السابق فإنك لولا أنك خلقتنا وأعطيتنا القدرة والعقل وأزلت الأعذار وأعطيت الألطاف وإلا لما وصلنا إلى هذه الدرجة.
فإن قيل : فإذا كان لا حق لأحد عليه في مذهبكم، فما السبب في التزام مثل هذا الإنعام ؟ قلنا : أتسأل عن إنعامه الأمسى حال عدمنا ؟ أو عن إنعامه اليومي حال التكليف ؟ أو عن إنعامه في غد القيامة ؟ فإن سألت عن الأمسي فكأنه يقول : أنا منزه عن الانتفاع والمائدة مملوءة من المنافع فلو لم أخلق الخلق لضاعت هذه المنافع، فكما أن من له مال ولا عيال له فإنه يشتري العبيد والجواري لينتفعوا بماله، فهو سبحانه اشترى من دار العدم هذا الخلق لينتفعوا بملكه، كما روى :"الخلق عيال الله" وأما اليومي فالنعمان (١) يوجب الإتمام بعد الشروع.
فالرحمن أولى.
وأما الغد فأنا مديونهم بحكم الوعد والإخبار فكيف لا أفي بذلك.

(١) يراد بالنعمان الوصفية من الإنعام، أو الاسمية والاسمية نص الأولى يقصد النعمان بن المنذر بن ماء السماء، وهو.


الصفحة التالية
Icon