المسألة الرابعة :
في قوله :﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ لطائف :
أحدها : قال بعض الفقهاء : لو قال : لا شيء لي على فلان، فهذا يختص بالديون وله أن يدعي الوديعة، ولو قال : لا شيء لي عند فلان انصرف إلى الوديعة دون الدين، ولو قال : لا شيء لي قبل فلان انصرف إلى الدين والوديعة معاً، إذا عرفت هذا فقوله :﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ يفيد أنه وديعة والوديعة عين، ولو قال : لفلان علي فهو إقرار بالدين، والعين أشرف من الدين فقوله :﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ يفيد أنه كالمال المعين الحاضر العتيد، فإن قيل : الوديعة أمانة وغير مضمونة والدين مضمون والمضمون خير مما كان غير مضمون، قلنا : المضمون خير إذا تصور الهلاك فيه وهذا في حق الله تعالى محال، فلا جرم قلنا : الوديعة هناك خير من المضمون.
وثانيها : إذا وقعت الفتنة في البلدة، فوضعت مالك عند إمام المحلة على سبيل الوديعة صرت فارغ القلب، فههنا ستقع الفتنة في بلدة بدنك، وحينئذ تخاف الشيطان من أن يغيروا عليها، فضع وديعة أمانتك عندي فإني أكتب لك به كتاباً يتلى في المحاريب إلى يوم القيامة وهو قوله :﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ﴾ حتى أسلمه إليك أحوج ما تكون إليه وهو في عرصة القيامة.
وثالثها : أنه قال :﴿عِندَ رَبّهِمْ﴾ وفيه بشارة عظيمة، كأنه تعالى يقول : أنا الذي ربيتك أولاً حين كنت معدوماً صفر اليد من الوجود والحياة والعقل والقدرة، فخلقتك وأعطيتك كل هذه الأشياء فحين كنت مطلقاً أعطيتك هذه الأشياء، وما ضيعتك أترى أنك إذا اكتسبت شيئاً وجعلته وديعة عندي فأنا أضيعها، كلا إن هذا مما لا يكون.
المسألة الخامسة :
قوله :﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جنات﴾ فيه قولان :