﴿ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ استثناءٌ مفرغٌ منْ أعمِّ الأوقاتِ أيْ وما تفرقُوا في وقتٍ منَ الأوقاتِ إلا منْ بعدِ ما جاءتُهمْ الحجةُ الواضحةُ الدالَّةُ على أنَّ رسولَ الله ﷺ هو الموعودُ في كتابِهم دلالةً جليةً لا ريبَ فيَها كقولِه تعالى :﴿ وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم ﴾ وقولُه تعالى ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله ﴾ جملةٌ حاليةٌ مفيدةٌ لغايةِ قبحِ ما فعلُوا أيْ والحالُ أنَّهم ما أُمِرُوا بَما أُمروا في كتابِهم إلا لأجلِ أنْ يعبدُوا الله، وقيلَ : اللامُ بمَعْنى أنْ أي إلا بأنْ يعبدُوا الله، ويعضدُه قراءةُ إلا أنْ يعبدُوا الله ﴿ مُخْلِصِينَ لَهُ الدين ﴾ أي جاعلينَ دينَهُم خَالِصاً له تعالَى أو جاعلينَ أنفسَهُم خالِصةً لَهُ تعالَى في الدِّينِ. ﴿ حُنَفَاء ﴾ مائلينَ عن جميعِ العقائدِ الزائغةِ إلى الإسلامِ ﴿ وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكاة ﴾ إنْ أُريدَ بهما ما في شريعتِهم من الصَّلاةِ والزَّكاةِ فالأمرُ ظاهرٌ وإنْ أُريدَ ما في شريعتِنا فمَعْنى أمرِهم بهما في الكتابينِ أنَّ أمرَهُم باتباعِ شريعتِنا أمرٌ لهم بجميعِ أحكامِها التي هُمَا من جُملتها.