والظاهر أن المعنى : لم يكونوا منفكين، أي منفصلاً بعضهم من بعض، بل كان كل منهم مقرّاً الآخر على ما هو عليه مما اختاره لنفسه، هذا من اعتقاده في شريعته، وهذا من اعتقاده في أصنامه، والمعنى أنه اتصلت مودّتهم واجتمعت كلمتهم إلى أن أتتهم البينة.
وقيل : معنى منفكين : هالكين، من قولهم : انفك صلا المرأة عند الولادة، وأن ينفصل فلا يلتئم، والمعنى : لم يكونوا معذبين ولا هالكين إلا بعد قيام الحجة عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، انتهى.
ومنفكين اسم فاعل من انفك، وهي التامة وليست الداخلة على المبتدأ والخبر.
وقال بعض النحاة : هي الناقصة، ويقدر منفكين : عارفين أمر محمد ( ﷺ )، أو نحو هذا، وخبر كان وأخواتها لا يجوز حذفه لا اقتصاراً ولا اختصاراً، نص على ذلك أصحابنا، ولهم علة في منع ذلك ذكروها في علم النحو، وقالوا في قوله : حين ليس مجير، أي في الدنيا، فحذف الخبر أنه ضرورة، والبينة : الحجة الجليلة.
وقرأ الجمهور :﴿ رسول ﴾ بالرفع بدلاً من ﴿ البينة ﴾، وأبيّ وعبد الله : بالنصب حالاً من البينة.
﴿ يتلو صحفاً ﴾ : أي قراطيس، ﴿ مطهرة ﴾ من الباطل.
﴿ فيها كتب ﴾ : مكتوبات، ﴿ قيمة ﴾ : مستقيمة ناطقة بالحق.
﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ : أي من المشركين، وانفصل بعضهم من بعض فقال : كل ما يدل عنده على صحة قوله.
﴿ إلا من بعد ما جاءتهم البينة ﴾ : وكان يقتضي مجيء البينة أن يجتمعوا على اتباعها.
وقال الزمخشري : كانوا يعدون اجتماع الكلمة والاتفاق على الحق إذا جاءهم الرسول، ثم ما فرقهم عن الحق ولا أقرهم على الكفر إلا مجيء الرسول ( ﷺ ).
وقال أيضاً : أفرد أهل الكتاب، يعني في قوله :﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ﴾ بعد جمعهم والمشركين، قيل : لأنهم كانوا على علم به لوجوده في كتبهم، فإذا وصفوا بالتفرق عنه، كان من لا كتاب له أدخل في هذا الوصف.