أي لم يكن وجه الحق لينكشف لهم، فيقع الزلزال في عقائدهم، فينفكوا عن الغفلة المحضة التي كانوا فيها، حتى تأتيهم البينة. ويجوز أن يكون المراد من ﴿ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ - والله أعلم - أولئك الذين جحدوا شيئاً من دين الله تعالى عندما جاءهم ولم ينظروا في دليله، أو أعرضوا عنه بعدما عرفوا دليله، سواء كانوا من مشركي العرب أو من أهل الكتاب، وإن آمنوا بعد ذلك وصدقوا. فأراد الله أن يذكر منَّته على من آمن من هؤلاء، فبيّن أن الذين كفروا - أي : جحدوا ما أوجب الله على عباده أن يعتقدوه عنه من صفاته وشرائعه من أهل الكتاب ومشركي العرب - لم يكونوا براجعين عن كفرهم وجحودهم هذا، حتى يأتيهم الرسول فيبين لهم بطلان ما كانوا عليه من الكفر، فيؤمنوا. فما أعظم فضل الله عليهم في إرساله رسوله إليهم ! وهذا وجه آخر غير الذي قدمناه في معنى الذين كفروا وانفكاكهم. وبذلك أو هذا ظهر معنى ﴿ حَتَّى ﴾ وبطل جميع ما يَهذي به كثير من المفسرين الذين أضلهم التقليد عن الرأي السديد، فصعّبوا من القرآن سهله، وحرموا من فهمه أهله. انتهى كلام الإمام نقلناه من أول السورة إلى هنا بالحرف لنفاسته، ولكونه أحسن ما فسرت به، وقاعدتنا التي انتهجناها في هذا التفسير أن نؤثر في معاني آياته أحسن ما قيل فيها ؛ فلذلك سميناه محاسن التأويل، هدانا الله إلى أقوم السبيل.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أي : بالله ورسوله محمدٍ ﷺ، فجحدوا نبوته ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ أي : شر من برَأه الله وخلقه. قال الإمام : لأن منكر الحق - بعد معرفته وقيام الدليل عليه - منكر في الحقيقة لعقل نفسه، مهلك لروحه، جالب الهلاك لغيره.
لطائف :


الصفحة التالية
Icon