وقد جاء النص صريحاً في هذا المعنى في قوله تعالى :﴿ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الصم البكم الذين لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ [ الأنفال : ٢٢ ]، وقد بين أن المراد بهم الكفار في قوله :﴿ أولئك الذين لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ ﴾ [ محمد : ٢٣ ]، وقال عنهم :﴿ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [ الزخرف : ٤٠ ]، فهم لصممهم وعماهم في ضلال مبين.
وقد ثبت أن الدواب ليست في ضلال مبين، لأنها تعلم وتؤمن بوحدانية الله، كما جاء في هدهد سليمان، أنكر على بلقيس وقومها سجودهم للشمس والقمر من دون الله.
ونص مالك في الموطأ في فضل يوم الجمعة " أنه وما من دابة إلا تصيخ بأذنها من فجر يوم الجمعة إلى طلوع الشمس خشية الساعة "، وهذا كله ليس عند الكافر منه شيء، ثم في الآخرة لما يجمع الله جميع الدواب ويقتص للعجماء من القرناء، فيقول لها : كوني تراباً، فيتمنى الكافر لو كان مثلها فلم يحصل له، كما قال :﴿ يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الكافر ياليتني كُنتُ تُرَاباً ﴾ [ النبأ : ٤٠ ].
وذلك والله تعالى أعلم : أن الدواب لم تعمل خيراً فتبقى لتجازى عليه، ولم تعمل شراً لتعاقب عليه فكانت لا لها ولا عليها إلا ما كان فيما بينها وبين بعضها، فلما اقتص لها من بعضها انتهى أمرها، فكانت نهايتها عودتها إلى منبتها وهو التراب. بخلاف الكافر فإن عليه حساب التكاليف وعقاب المخالفة فيعاقب بالخلود في النار، فكان شر البرية.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)
الحكم هنا بالعموم، كالحكم هناك. ولكنه هنا بالخيرية والتفضيل.
أما من حيث الجنس فلا إشكال، لأن الإنسان أفضل الأجناس ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ [ الإسراء : ٧٠ ].