وأما من حيث العموم، فقال بعض العلماء فيها ما يدل على صالح المؤمنين أفضل من الملائكة.
ولعل مما يقوي هذا الاستدلال، هو أن بعض أفراد جنس الإنسان أفضل من عموم أفراد جنس الملائكة، وهو الرسول ﷺ، وإذا فضل بعض أفراد الجنس لا يمنع في البعض الآخر ولكن هل بعض أفراد الأمة بعده أفضل من عموم أو بعض أفراد الملائكة؟ هذا هو محل الخلاف.
وللقرطبي مبحث في ذلك : مبناه على أصل المادة وورود النصوص من جهة أصل المادة إن كانت البرية مأخوذة من البري وهو التراب. فلا تدخل الملائكة تحت هذا التفضيل وإلا فتدخل.
وأما من جهة النصوص، فقال في سورة البقرة عند قوله :﴿ قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ [ البقرة : ٣٣ ]، قال المسألة الثالثة : اختلف العلماء في هذا الباب أيهما أفضل، الملائكة أو بنو آدم؟ على قولين، فذهب قول إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة.
وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل، واحتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. وقوله :﴿ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله ولا أَعْلَمُ الغيب ولا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ﴾ [ الأنعام : ٥٠ ].
وبما في البخاري يقول الله :" من ذكرني في ملأ ذكرته في ملإ خير منه " وهذا نص على أن الملأ الأعلى خير من ملأ الأرض.
واحتج من فضل بني آدم بقوله تعالى :﴿ إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك هُمْ خَيْرُ البرية ﴾ [ البينة : ٧ ]، بالهمز من بَرأَ اللهُ الْخَلقُ، وقوله ﷺ :" إن الملائكة لتضع أجنحتها رضاً لطالب العلم " أخرجه أبو داود.
وبأن الله يباهي بأهل عرفات الملائكة، ولا يباهي إلا بالأفضل والله تعالى أعلم.


الصفحة التالية
Icon