وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الملائكة خير منهم، لأن طريق ذلك خبر الله، وخبر رسول الله ﷺ، أو إجماع الأمة.
وليس ها هنا شيء من ذلك خلافاً للقدرية والقاضي أبي بكر، حيث قالوا : الملائكة أفضل. قال : وأنا من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل، لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، إلى آخره.
ثم رد هذا الاستدلال.
وقد سبقنا هذا البحث لبيان الخلاف في هذه المسألة المشتمل عليها لفظ البرية، وأعتقد أن المفاضلة جزئية لا كلية، وذلك أن جنس البشر خلاف جنس الملائكة، والملائكة فيهم النص بأنهم
﴿ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ ﴾ [ الأنبياء : ٢٦ ]، والبشر فيهم النص ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ﴾ [ الإسراء : ٧٠ ]، والفرق بينهما، كالفرق بين الاسم والفعل في الدلالة.
ففي الملائكة بالاسم : مكرمون، وهو يدل على الدوام والثبوت، وفي بني آدم كرمنا، وهو يدل على التجدد والحدوث.
وهذا هو الواقع، فالتكريم ثابت ولازم ودائم للملائكة بخلافه في بني آدم إذ فيهم وفيهم، ولا يبعد أن يقال : إن التفضيل في الأعمال من حيث صدورها من بني آدم ومن الملائكة، إذ الملائكة تصدر عنها أعمال الخبر جبلة أو بدون نوازع شر، بخلاف بني آدم، وإن أعمال الخير تصدر عنها بمجهود مزدوج، حيث ركبت فيه النفس اللوامة والأمارة بالسوء. ونحو ذلك من الجانب الحيواني.
وازدواجية المجهود، هو أنه ينازع عوامل الشر حتى يتغلب عليها، ويبذل الجهد في فعل الخير، فهو يجاهد للتخليص من نوازع ثم الشر، هو يجاهد للقيام بفعل الخير، وهذا مجهود يقتضي التفضيل على المجهود من جانب واحد.
وقد جاء في السنة ما يشهد لذلك، لما ذكر ﷺ أصحابه " أن يأتي بعدهم من أن العامل منهم له أجر خمسين، فقالوا : خمسين منا أو منهم يا رسول الله قال :" بل خمسين منكم، لأنكم تجدون أعواناً على الخير وهم لا يجدون ".