وحديث " سبق درهم مائة ألف درهم " وبين ﷺ، أن الدرهم سبق الأضعاف المضاعفة، لأنه ثاني اثنين فقط، والمائة ألف جزء من مجموع كثير.
فالنفس التي تجود بنصف ما تملك، ولا يتبقى لهم إلا درهم، خير بكثير ممن تنفق جزءاً ضئيلاً مما تملك ويتبقى لها المال الكثير، فكانت عوامل التصدق ودوافعه مختلفة منزلة في النفس متضادة. فالدرهم في ذاته وماهيته من جنس الدراهم الأخرى، لم تتفاوت الماهية ولا الجنس، ولكن تتفاوت الدوافع والعوامل لإنفاقه، ولعل المفاضلة المقصودة تكون من هذا القبيل أولى. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى :﴿ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ﴾
فيه أربع مسائل : ثلاثة مجملة جاء بيانها في القرآن. والرابعة مفصّلة ولها شواهد.
أما الثلاثة المجملة فأولها قوله :﴿ جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾، إذ الجزاء في مقابل شيء يستوجبه، وعند ربهم تشعر بأنه تفضل منه، وإلا لقال : جزاؤهم على ربهم.
وقد بين ذلك صريح قوله تعالى :﴿ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً ﴾ [ النبأ : ٣١-٣٦ ]، فنص على أن هذا الجزاء كله من ربهم عطاء لهم من عنده.