ولو نظرنا إلى أمرين وهما المستثنى والسورة التي قبلها، لا تضّح هذا العموم، لأن مفهوم المستثنى يشمل أربعة أمور : عدم الإيمان وهو الكفر، وعدم العمل الصالح وهو العمل الفاسد، وعدم التواصي بالحق وهو انعدام التواصي كلية أو التواصي بالباطل، وعدم التواصي بالصبر، وهو إما انعدام التواصي كلية أو الهلع والجزع.
والسورة التي قبلها تلهي الإنسان بالتكاثر في المال والولد، بغية الغنى والتكثر فيه، وضده ضياع المال والولد وهو الخسران.
فعليه يكون الخسران في الدينة من حيث الإيمان بسبب الكفر، وفي الإسلام وهو ترك العمل، وإن كان يشمله الإيمان في الاصطلاح والتلهي في الباطل وترك الحق، وفي الهلع والفزع.
ومن ثم ترك الأمر والنهي بما فيه مصلحة العبد وفلاحه وصلاح دينه ودنياه، وكل ذلك جاء في القرآن ما يدل عليه نجمله كالآتي :
أما الخسران بالكفر. فكما في قوله تعالى :﴿ وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ [ الزمر : ٦٥ ].
وقوله :﴿ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله ﴾ [ الأنعام : ٣١ ]، أي لأنهم لم يعملوا لهاذ اللقاء، وقصروا أمرهم في الحياة الدنيا فضيعوا أنفسهم، وحظهم في الآخرة.
وأما الخسران بترك العمل، فكما في قوله تعالى :﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُم ﴾ [ الأعراف : ٩ ]، لأن الموازين هي معايير الأعمال كما تقدم ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ [ الزلزلة : ٧ ].
ومثله :﴿ وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مِّن دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً ﴾ [ النساء : ١١٩ ]، لأنه سيكون من حزب الشيطان ﴿ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ ﴾ [ المجادلة : ١٩ ]، أي بطاعتهم إياه في معصية الله.


الصفحة التالية
Icon