ويبين خطر هذه المسألة : أن الإنسان إذا كان في آخر عمره، وشعر بأيامه المعدودة وساعاته المحدودة، وأراد زيادة يوم فيها، يتزوّد منها أو ساعة وجيزة يستدرك بعضاً مما فاته، لم يستطع لذلك سبيلاً، فيشعر بالأسى والحزن على الأيام والليالي والشهور والسنين التي ضاعت عليه في غير ما كسب ولا فائدة، كان من الممكن أن تكون مربحة له، وفي الحديث الصحيح :
" نعمتان مغبون فيهما الإنسان : الصحة والفراغ ".
أي أنهما يمضيان لا يستغلهما في أوجه الكسب المكتملة، فيفوتان عليه بدون عوض يذكر ثم يندم، ولات حين مندم.
كما قيل في ذلك :
بدلت جمة برأس أزعرا... وبالثنايا البيض الدر دررا
كما اشترى المسلم إذ تنصرا... تنبيه
في سورة التكاثر تقبيح التلهي بالتكاثر بالمال والولد ونحوه، ثم الإشعار بأنه سببه الجهل، لأنهم لو كانوا يعلمون علم اليقين لما ألهاهم ذلك حتى باغتهم الموت.
وهنا إشعار أيضاً بأن سبب هذا الخسران الذي يقع فيه الإنسان، هو الجهل الذي يجر إلى الكفر والتمادي في الباطل، ويساعد على هاذ قسوة القلب، وطول الأمد. كما قال تعالى :﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [ الحديد : ١٦ ].
تنبيه آخر
قوله تعالى :﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾، نص على الإنسان على ما تقدم وقد جاءت آية أخرى تدل على أن الجن كالإنس في قوله تعالى :﴿ أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ﴾ [ الأحقاف : ١٨ ].
وتقدم بيان تكليف الجن بالدعوة واستجابتهم لها. والدعوة إليها.