فالتفت فإذا هو بطير من نحو اليمن فقال : والله إنها لطير غريبة ما هي بنجدية ولا تهامية، فأهلكتهم كما ذكرنا. ثم إن أهل مكة قد احتووا على أموالهم وجمع عبد المطلب منها ما صار سبب يساره. وسئل أبو سعيد الخدري عن الطير فقال : حمام مكة منها. وقيل : جاءت عشية ثم صبحتهم هلكى. وعن عكرمة : من أصابته أصابه جدري وهو أول جدري ظهر في الأرض. ولنرجع إلى تفسير الألفاظ. وإنما لم يقل " ألم تعلم " إما لأن الخطاب لكل راء، أو لأنه ﷺ كان يعلم علماً كالمشاهد المرئي لتواتره ولقرب عهده به. قال النحويون : قوله ﴿ كيف ﴾ مفعول فعل لأن الاستفهام يقتضي صدر الكلام فيقدم على فعله بالضرورة. ثم إن قوله ﴿ ألم تر ﴾ وقع على مجموع تلك الجملة. وقال في الكشاف ﴿ كيف ﴾ في موضع نصب ب ﴿ فعل ربك ﴾ لا ﴿ بألم تر ﴾ لما في ﴿ كيف ﴾ من معنى الاستفهام. قلت : أما قول صاحب الكشاف في غاية الإجمال لأن المنصوبات بالفعل أنواع شتى. وأما قول غيره فقريب من الإجمال لأن المفاعيل خمسة، والقول المبين فيه أنه مفعول مطلق والمعنى فعل أي فعل يعني فعلاً ذا عبرة لأولي الأبصار. وتقدير الكلام : ألم تر ربك أو إلى ربك كيف فعل بأصحاب الفيل فعلاً كاملاً في باب الاعتبار لأنه خلق الطيور وجعل طبع الفيل على خلاف ما كان عليه، واستجاب دعاء أهل الشرك تعظيماً لبيته، وإن أريد بالفعل المفعول لم يبعد أن يكون مفعولاً به كقولك " يفعل ما يشاء ". وفي قوله ﴿ ربك ﴾ إشارة إلى أني ربيتك وحفظت البيت لشرف قومك وهم كفرة فكيف أترك تربيتك بعد ظهورك وإسلام أكثر قومك؟ وفي القصة إشارة إلى أني حفظت البيت وهو موضع العلم للعالم أفلا أحفظ العالم وهو من المسجد كالدر من الصدف؟ فمن أراد تخريب البيت وهدمه وكسره دمرته فالذي همزه ولمزه في العالم وهو المقصود من البيت أفلا أدمره؟ وههنا تظهر المناسبة بين هذه السورة والسورة المتقدمة وهذه القصة تجري مجرى مثال آخر لخسران