وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق التي جاؤوا منها، ويسألون عن نفيل بن حبيب، ليدلهم على الطريق إلى اليمن.
فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته :
أَيْنَ المَفَرُّ والإلَهُ الطَّالبْ...
والأَشْرَمُ المغلوبُ ليسَ الغالبْ
وقال أيضاً :
حمِدتُ الله إذ أبصرتُ طَيْراً...
وخِفت حِجارَة تُلْقَى علينا
فكلُّ القومِ يسأل عن نُفَيلٍ...
كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشان دَيْنا
فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلِكون بكل مَهْلِك على كل سَهْل، وأصيب أَبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أَنْمُلَةً أنملة، كلما سقطت منه أنملة أتبعتها منه مِدّةً تمث قيحاً ودماً ؛ حتى قدِموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ؛ فيما يزعمون.
وقال الكلبي ومقاتل بن سليمان يزيد أحدهما وينقص : سبب الفيل ما رُوي أن فِتْية من قريش خرجوا تجاراً إلى أرض النجاشيّ، فنزلوا على ساحل البحر إلى بِيعة للنصارى، تسميها النصارى الهَيْكل، فأوقدوا ناراً لطعامهم وتركوها وارتحلوا ؛ فهبت ريح عاصف على النار فأضرمت البِيعة ناراً، فاحترقت ؛ فأتى الصرِيخ إلى النجاشي فأخبره، فاستشاط غضباً.
فأتاه أبرهة بن الصَّبَّاح وحُجْر بن شُرَحْبيلَ وأبو يَكْسومَ الكِنْديون ؛ وضمنوا له إحراق الكعبة وسَبْي مكة.
وكان النجاشيّ هو الملك، وأبرهةُ صاحب الجيش، وأبو يكسوم نديم الملك، وقيل وزيره، وحُجْر بن شُرَحبيل من قوّاده.
وقال مجاهد : أبو يكسوم هو أبرهة ابن الصباح.
فساروا ومعهم الفيل.
قال الأكثرون : هو فيل واحد.
وقال الضحاك : هي ثمانية فِيَلَة.
ونزلوا بذي المَجاز، واستاقوا سَرْح مكة، وفيها إبل عبد المطلب.
وأتى الراعي نذيراً، فصعد الصفا، فصاح : واصباحاه! ثم أخبر الناس بمجيء الجيش والفيل.
فخرج عبد المطلب، وتوجه إلى أبرهة، وسأله في إبله.
واختُلِف في النجاشيّ، هل كان معهم ؛ فقال قوم كان معهم.