ومناسبة هذا التذييل للجملة أن المخبر عنهم قد بذلوا أنفسهم لله وجعلوا أنفسهم عبيده فالله رءوف بهم كرأفة الإنسان بعبده فإن كان مَا صْدَق ( مَنْ ) عاماً كما هو الظاهر في كل من بذل نفسه لله، فالمعنى والله رءوف بهم فعدل عن الإضمار إلى الإظهار ليكون هذا التذييل بمنزلة المثل مستقلاً بنفسه وهو من لوازم التذييل، وليدل على أن سبب الرأفة بهم أنهم جعلوا أنفسهم عباداً له، وإن كان ما صْدَق ( مَنْ ) صهيباً رضي الله عنه فالمعنى والله رءوف بالعباد الذين صهيب منهم، والجملة تذييل على كل حال، والمناسبة أن صهيباً كان عبداً للروم ثم لطائفة من قريش وهم بنو كلب وهم لم يرأفوا به، لأنه عذب في الله فلما صار عبد الله رأف به.
أهـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٢٧٣﴾
فائدة
وفي قوله :" بِالْعِبَادِ " خُرُوجٌ من ضميرِ الغَيْبَةِ إِلَى الاسْم الظَّاهِرِ ؛ إذ كان الأَصْلُ " رَؤوفٌ بِهِ " أَوْ " بِهِمْ " وفائدةُ هذا الخُروجِ أنَّ لفظَ " العِبَادِ " يُؤْذِنُ بالتشرِيف، أو لأنه فاصلةٌ فاختير لذلك. أ هـ ﴿تفسير ابن عادل حـ ٣ صـ ٤٧٢﴾
من لطائف الإمام القشيرى فى الآية
أولئك الذين أدركتهم خصائص الرحمة، ونعتتهم سوابق القسمة، فآثروا رضاء الحق على أنفسهم، واستسلموا بالكلية لمولاهم، والله رؤوف بالعباد : ولرأفته بهم وصلوا إلى هذه الأحوال، لا بهذه الأحوال استوجبوا رأفته. أ هـ ﴿لطائف الإشارات حـ ١ صـ ١٧١﴾
من فوائد الشيخ الطاهر بن عاشور فى الآية
وفي هذه الآية وهي قوله :﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا﴾ ﴿البقرة : ٢٠٤ ] إلى قوله {رؤوف بالعباد﴾ معان من معاني أدب النفوس ومراتبها وأخلاقها تعلِّم المؤمنين واجب التوسم في الحقائق ودواخل الأمور وعدم الاغترار بالظواهر إلاّ بعد التجربة والامتحان، فإن من الناس من يغُر بحسن ظاهره وهو منطو على باطن سوء ويعطي من لسانه حلاوة تعبير وهو يضمر الشر والكيد قال المعري