وفي الكلام التفات إلا أنه غير صريح من الغيبة إلى الخطاب لأنّ قوله سبحانه :﴿كَانَ الناس أُمَّةً واحدة﴾ ﴿البقرة : ٢١٣ ] كلام مشتمل على ذكر الأمم السابقة والقرون الخالية، وعلى ذكر من بعث إليهم من الأنبياء وما لقوا منهم من الشدائد، وإظهار المعجزات تشجيعاً للرسول ـ ﷺ ـ والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين، أو للمؤمنين خاصة فكانوا من هذا الوجه مرادين غائبين ويؤيده {فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ﴾ ﴿البقرة : ٣ ٢١ ] الخ فإذا قيل : بعد {أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ كان نقلاً من الغيبة إلى الخطاب، أو لأنّ الكلام الأوّل تعريض للمؤمنين بعدم التثبت والصبر على أذى المشركين، فكأنه وضع موضع كان من حق المؤمنين التشجيع والصبر تأسياً بمن قبلهم، كما يدل عليهم ما أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي والإمام أحمد عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله ـ ﷺ ـ ما لقينا من المشركين فقلنا : ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله تعالى لنا ؟ فقال :" إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فتخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه ثم قال : والله ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلى الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " وهذا هو المضرب عنه ببل التي تضمنتها ﴿أَمْ﴾ أي دع ذلك أحسبوا أن يدخلوا الجنة فترك هذا إلى الخطاب وحصل الالتفات معنى، ومما ذُكر يعلم وجه ربط الآية بما قبلها. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٢ صـ ١٠٣﴾
قوله تعالى ﴿أن تدخلوا الجنة﴾
قال ابن عاشور :