ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى، وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم ولم يقصروا في شيء منه، وإلا فإن دخول الجنة محسوب لكل مؤمن ولو لم تأته البأساء والضراء أو أتتهُ ولم يصبر عليها، بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجب لغفران الذنوب، أو المراد من ذلك أن تنالهم البأساء فيصبروا ولا يرتدوا عن الدين، لذلك فيكون دخول الجنة متوقفاً على الصبر على البأساء والضراء بهذا المعنى، وتطرقُ هاته الحالة سنة من سنن الله تعالى في أَتْباع الرسل في أول ظهور الدين وذلك من أسباب مزيد فضائل اتباع الرسل، فلذلك هُيِّءَ المسلمون لتلقيه من قبل وقوعه لطفاً بهم ليكون حصوله أهون عليهم.
وقد لقي المسلمون في صدر الإسلام من أذى المشركين البأساءَ والضراءَ وأخرجوا من ديارهم وتحملوا مضض الغربة، فلما وردوا المدينة لقُوا من أذى اليهود في أنفسهم وأذى المشركين في قرابتهم وأموالهم بمكة ما كدر عليهم صفو حفاوة الأنصار بهم، كما أن الأنصار لقُوا من ذلك شدة المضايقة في ديارهم بل وفي أموالهم فقد كان الأنصار يعرضون على المهاجرين أن يتنازلوا لهم عن حظ من أموالهم. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٣١٤ ـ ٣١٥﴾
فائدة لغوية فى ﴿لما﴾
قال ابن عادل :
قوله :" وَلَمَّا يَأْتِكمْ " الواو للحال، والجملة بعدها في محلِّ نصبٍ عليها، أي : غير آتيكم مثلهم. و" لمَّا " حرف جزمٍ، معناه النفي ؛ كـ " لم "، وهو أبلغ من النفي بـ " لم " ؛ لأنَّها لا تنفي إلاَّ الزمان المتصل بزمان الحال. والفرق بينها وبين " لم " من وجوهٍ :
أحدها : أنه قد يحذف الفعل بعدها في فصيح الكلام، إذ دلَّ عليه دليلٌ.
وهو أحسن ما تخرَّج عليه قراءة " وإِنْ كُلاًّ لَمَّا " كقوله :{الوافر ]
فَجئْتُ قُبُرَهُمْ بَدْءاً وَلَمَّا... فَنَادَيْتُ الْقُبُورَ فَلَمْ تَجِبْنَهْ