ولما كان هذا مكروهاً لما فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهياً لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار إلى ذلك بجملة حالية فقال :﴿وعسى أن﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني ﴿عسى﴾ ما يوضح أن المعنى : وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن ﴿تكرهوا شيئاً﴾ أي كالغزو فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم ﴿وهو﴾ أي والحال أنه ﴿خير لكم﴾ لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا لنفعكم. قال الحرالي : فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين الذين يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس، كما قال ثعلبة :" كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون " ولم يبرم لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة ﴿عسى﴾ لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك، وفي إعلامه إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - انتهى. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ١ صـ ٤٠١ ـ ٤٠٢﴾
قال ابن عاشور :
وقوله :﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم﴾ تذييل احتيج إليه لدفع الاستغراب الناشيء عن قوله :﴿كتب عليكم القتال وهو كُره لكم﴾، لأنه إذا كان مكروهاً فكان شأن رحمة الله بخلقه ألا يكتبه عليهم فذيل بهذا لدفع ذلك.


الصفحة التالية
Icon