والسؤال المذكور هنا هو سؤال المشركين النبي عليه الصلاة والسلام يوم الحديبية، هل يقاتل في الشهر الحرام كما تقدم عند قوله تعالى :﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام﴾. وهذا هو المناسب لقوله هنا ﴿وصد عن سبيل الله﴾ إلخ وقيل : سؤال المشركين عن قتال سرية عبد الله بن جحش. فالجملة استئناف ابتدائي، وردت على سؤال الناس عن القتال في الشهر الحرام ومناسبة موقعها عقب آية ﴿كتب عليكم القتال﴾ ﴿البقرة : ٢١٦ ] ظاهرة. أ هـ {التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٣٢٤﴾
قوله تعالى :﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ خفض على البدل من الشهر الحرام، وهذا يسمى بدل الاشتمال، كقولك : أعجبني زيد علمه ونفعني زيد كلامه وسرق زيد ماله، وسلب زيد ثوابه، قال تعالى :﴿قُتِلَ أصحاب الأخدود النار ذَاتِ الوقود﴾ ﴿البروج : ٤، ٥ ] وقال بعضهم الخفض في قتال على تكرير العامل والتقدير : يسألونك عن الشهر الحرام عن قتال فيه، وهكذا هو في قراءة ابن مسعود والربيع، ونظيره قوله تعالى :{لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ﴾ ﴿الأعراف : ٧٥ ] وقرأ عكرمة {قَتْلَ فِيهِ ﴾. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٦ صـ ٢٧﴾
والتعريف في ( الشهر الحرام ) تعريف الجنس، ولذلك أحسن إبدال النكرة منه في قوله :﴿قتال فيه﴾، وهو بدل اشتمال فيجوز فيه إبدال النكرة من المعرفة، بخلاف بدل البعض على أن وصف النكرة هنا بقوله ( فيه ) يجعلها في قوة المعرفة.
فالمراد بيان أيِّ شهر كان من الأشهر الحُرم وأيِّ قتال، فإن كان السؤال إنكارياً من المشركين فكون المراد جنس هذه الأشهر ظاهر، وإن كان استفساراً من المسلمين فكذلك، ومجرد كون الواقعة التي تسبب عليها السؤال وقعت في شهر معين لا يقتضي تخصيص السؤال بذلك الشهر، إذ لا يخطر ببال السائل بل المقصود السؤال عن دوام هذا الحكم المتقرر عندهم قبل الإسلام وهْوَ لا يختص بشهر دون شهر.


الصفحة التالية
Icon