ومن فوائد ابن عرفة فى الآية
قال رحمه الله :
قوله تعالى :( إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله... )
قال ابن عطية : الهجرة الانتقال من موضع إلى موضع بنية الإقامة، ومن قال : الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد وهم بسبب أن ذلك كان الأغلب عندهم فيلزم أن لايكون ( أَهلُ مكّة مهاجرين ) عنده بالإطلاق.
قال ابن عرفة : الهجرة الانتقال من الوطن إلى محل نصرة النّبي ويقرب منه الهجرة في موضع كثير المنكر إلى موضع ( أخف ) منه.
فان قلت : لم قال ( يَرْجُونَ رَحْمَةَ / الله ).
وكل مؤمن ولو كان من أهل الكبائر يرجو رحمة الله.
قلت : فالجواب : أن هذا رجاء شهد الله تعالى لهم به، فدل ذلك على صحته.
ونظيره : من يزرع فدانا في سنة خصيبة ويوفي بخدمته فيراه الفلاحون فيقولون : هذا زرع يرجو صاحبه بلوغ الأمل، وآخر يزرع فدانا يراه الفلاحون فيذمونه وربه يستحسنه ويرجوا أن يبلغ فيه الأمر ويعتقد ذلك فليس الرجاءان سواء.
فإن قلت : هلا قيل : وَالَّذِينَ هَاجَرُوا والَّذِينَ جَاهَدُوا أو بحذف الموصول ( فيهما ) واكتُفي بذكره في الأول ؟ ( فالجواب ) أنه قصد التنبيه على أن مجرد الإيمان كاف في حصول المطلوب من ترجي رحمة الله تعالى، ولما كانت الهجرة إنّما هي للجهاد مع النّبي ونصرته كانا كالشيء الواحد فلذلك لم يكرر ذكر الموصول مع الجهاد.
قلت لابن عرفة في الختمة الأخرى : إن الآية حجة على المعتزلة في قولهم إن الطائع يجب على الله أن يثيبه لأن الرجاء إنما يتعلق بالمظنون لا بالمحقق، فلو كان الثواب محققا لما قال ( يرجون رحمة الله ) ؟ فقال : لهم أن يجيبوا بأن من هاجر وجاهد لا يعلم أيموت مسلما أو لا ؟ فهو لا يتحقق خاتمته ( فصح ) إسناد الترجي إليه وبطل الدليل. أ هـ ﴿تفسير ابن عرفة حـ ٢ صـ ٦٢٥ ـ ٦٢٦﴾