بحث نفيس لحجة الإسلام الغزالى فى الرجاء
قال رحمه الله :
فإن قلت : فأين الغلط في قول العصاة والفجار إن الله كريم وإنا نرجو رحمته ومغفرته، وقد قال أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيراً، فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب ؟ فاعلم أن الشيطان لا يغوي الإنسان إلا بكلام مقبول الظاهر مردود الباطن، ولولا حسن ظاهره لما انخدعت به القلوب، ولكن النبي ـ ﷺ ـ كشف عن ذلك فقال " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله وهذا هو التمني على الله تعالى غير الشيطان اسمه فسماه : رجاء، حتى خدع به الجهال. وقد شرح الله الرجاء فقال " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله " يعني أن الرجاء بهم أليق وهذا لأنه ذكر أن ثواب الآخرة أجر وجزاء على الأعمال قال الله تعالى " جزاء بما كانوا يعملون " وقال تعالى " وإنما توفون أجوركم يوم القيامة " أفترى أن من استؤجر على إصلاح أوان وشرط له أجرة عليها وكان الشارط كريماً يفي بالوعد مهما وعد ولا يخلف بل يزيد، فجاء الأجير وكسر الأواني وأفسد جميعها ثم جلس ينتظر الأجر ويزعم أن المستأجر كريم، أفيراه العقلاء في انتظاره متمنياً مغروراً أو راجياً ؟ وهذا للجهل بالفرق بين الرجاء والغرة. قيل للحسن : قوم يقولون نرجو الله ويضيعون العمل فقال : هيهات هيهات! تلك أمانيهم يترجحون فيها، من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً هرب منه. وقال مسلم بن يسار : لقد سجدت البارحة حتى سقطت ثنيتاي! فقال له رجل : إنا لنرجو الله! فقال مسلم : هيهات هيهات ؟ من رجا شيئاً طلبه ومن خاف شيئاً هرب منه. وكما أن الذي يرجوا في الدنيا ولداً وهو بعد لم ينكح أو نكح ولم يجامع أو جامع ولم ينزل! فهو معتوه فكذلك من رجا رحمة الله وهو لم يؤمن أو آمن لم يعمل صالحاً أو عمل ولم يترك المعاصي فهو مغرور. فكما أنه إذا نكح ووطئ وأنزل بقي متردداً في الولد يخاف ويرجو فضل الله في خلق الولد ودفع الآفات عن الرحم


الصفحة التالية
Icon