والثاني : أن يكونَ " بَأَنْفُسِهِنَّ " تأكيداً للمضمرِ المرفوع المتصلِ، وهو النونُ، والباءُ زائدة في التوكيد ؛ لأَنَّه يجوزُ زيادتها في النفسِ والعينِ مُؤكَّداً بهما ؛ تقولُ :" جَاءَ زَيْدٌ نَفْسُهُ وِبِنَفْسِهِ وَعَيْنُهُ وَبِعَيْنِهِ " ؛ وعلى هذا : فلا تتعلَّقُ بشيء لزيادتها، لا يقالُ : لا جائزٌ أن تكونَ تأكيداً للضمير ؛ لأنَّه كانَ يجبُ أن تُؤَكَّدَ بضميرِ رفعٍ منفصلٍ ؛ لأنه لا يُؤكَّدُ الضميرُ المرفوعُ المتصلُ بالنَّفسِ والعَيْنِ، إلاَّ بعد تأكيده بالضميرِ المرفوع المنفصلِ ؛ فيقال : زَيْدٌ جَاءَ هُوَ نَفْسُهُ عَيْنُهُ " ؛ لأنَّ هذا المؤكَّد خرجَ عن الأصلِ، لمَّا جُرَّ بالباءِ الزائدةِ أَشْبَهَ الفَضَلاَتِ، فخرج بذكل عن حكم التوابع، فلم يُلْتَزَمْ فيه ما التزِمَ في غيره، ويُؤيِّد ذلك قولهم :" أَحْسِنْ بِزَيْدٍ، وَأَجْمِلْ "، أي : به، وهذا المجرورُ فاعلٌ عند البصريِّين، والفاعلُ عندهم لا يُحْذَفُ، لكنه لَمَّا جَرَى مَجْرَى الفَضَلاتِ ؛ بسبب جَرِّه بالحرفِ، أو خَرَجَ عن أصل باب الفاعل ؛ فلذلك جازَ حَذْفُه، وعن الأَخْفَش ذَكَر في " المَسَائِلِ " أنهم قالوا :" قَامُوا أَنْفُسُهُمْ " من غير تأكيدٍ، وفائدةُ التوكيدِ هنا أن يباشِرن التربُّصَ هُنَّ، لا أنَّ عيرَهُنَّ يباشِرْنَهُنَّ التَّربُّصَ ؛ ليكونَ ذلك أَبلغَ في المرادِ.
فإن قيل : القُرُوءُ : جمع كثرةٍ، ومن ثلاثةٍ إلى عشرة يُمَيَّزُ بجموع القلة ولا يُعْدَلُ عن القلةِ إلى ذلك، إلا عند عدم استعمالِ جمع قلَّةٍ غالباً، وههنا فلفظُ جمع القلَّةِ موجودٌ، وهو " أَقْرَاء "، فما الحكمةُ بالإِتيانِ بجمع الكثرةِ مع وجودِ جمعِ القلَّةِ ؟.
فيه أربعةُ أوجهٍ :
أوّلها : أنه لّمَّا جمع المطلَّقات جمع القُرُوء، لأنَّ كلَّ مطلقةٍ تترَّبصُ ثلاثة أقراءٍ ؛ فصارَتْ كثيرةً بهذا الاعتبار.


الصفحة التالية
Icon