فائدة
قال الآلوسى :
وعدى القسم على الماجمعة بـ ﴿مِنْ﴾ لتضمنه معنى البعد، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين، وقيل : إن هذا الفعل يتعدى بـ ( من ) وعلى، ونقل أبو البقاء عن بعضهم من أهل اللغة تعديته بـ ( من ) وقيل : بها بمعنى على، وقيل : بمعنى في، وقيل : زائدة، وجوّز جعل الجار ظرفاً مستقراً، أي استقرّ لهم من نسائهم. أ هـ ﴿روح المعانى حـ ٢ صـ ١٢٩﴾
قوله تعالى :﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾
قال الفخر :
أما قوله تعالى :﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصاً، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة، أي تلبث، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم، أي مسيرة في يوم ومثله كثير. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٦ صـ ٧٠﴾
وقال القرطبى :
قوله تعالى :﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ التربص : التأنِّي والتأخُّر ؛ مقلوب التصبر ؛ قال الشاعر :
تَرَبَّصْ بها رَيْبَ المُنونِ لعلّها... تطَلَّق يوماً أو يموتُ حَلِيلُها
وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدّم، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر ؛ لقوله تعالى :﴿واهجروهن فِي المضاجع﴾ [ النساء : ٣٤ ]. وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهراً تأديباً لهنّ. وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها ؛ وقد روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشِد :
ألا طال هذا اللّيْلُ واسود جانبُه... وأرّقَنِي أن لا حَبِيبَ ألاَعِبُهْ
فواللّهِ لولا اللَّهُ لا شيءَ غيره... لزُعْزِعَ من هذا السّريرِ جوانِبُهْ
مخافةَ ربّي والحَيَاءُ يكفّني... وإكرامَ بَعْلِي أن تُنال مراكِبُهْ
فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها : أين زوجك ؟ فقالت : بعثتَ به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهنّ عن المرأة كم مقدار ما تصبِر عن زوجها ؟ فقلن : شهرين، ويَقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفَدُ صبرُها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدّة غزوِ الرجل أربعة أشهر ؛ فإذا مضت أربعةُ أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ؛ وهذا والله أعلم يقوِّي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٣ صـ ١٠٨﴾