أخر الإكنان في الذكر للتنبيه على أنه أفضل وأبقى على ما للعدة من حرمة، مع التنبيه على أنه نادر وقوعه، لأنه لو قدمه لكان الانتقال من ذكر الإكنان إلى ذكر التعريض جارياً على مقتضى ظاهر نظم الكلام في أن يكون اللاَّحق زائد المعنى على ما يشمله الكلام السابق، فلم يتفطن السامع لهذه النكتة، فلما خولف مقتضى الظاهر علم السامع أن هذه المخالفة ترمي إلى غرض، كما هو شأن البليغ في مخالفة مقتضى الظاهر، وقد زاد ذلك إيضاحاً بقوله عقبه :﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ أي علم أنكم لا تستطيعون كتمان ما في أنفسكم، فأباح لكم التعريض تيسيراً عليكم، فحصل بتأخير ذكر ﴿أو أكنتم﴾ فائدة أخرى وهي التمهيد لقوله :﴿علم الله أنكم ستذكرونهن﴾ وجاء النظم بديعاً معجزاً، ولقد أهمل معظم المفسرين التعرض لفائدة هذا العطف، وحاول الفخر توجيهه بما لا ينثلج له الصدر ووجهه ابن عرفة بما هو أقرب من توجيه الفخر، ولكنه لا تطمئن له نفس البليغ. أ هـ ﴿التحرير والتنوير حـ ٢ صـ ٤٥٢ ـ ٤٥٣﴾
سؤال : فإن قيل : إن التعريض بالخطبة أعظم حالاً من أن يميل قلبه إليها ولا يذكر شيئاً فلما قدم جواز التعريض بالخطبة كان قوله بعد ذلك :﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ فِى أَنفُسِكُمْ﴾ جارياً مجرى إيضاح الواضحات.


الصفحة التالية
Icon