أما قوله :﴿وَلاَ خُلَّةٌ﴾ فالمراد المودة، ونظيره من الآيات قوله تعالى :﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [ الزخرف : ٦٧ ] وقال :﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾ [ البقرة : ١٦٦ ] وقال :﴿وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [ العنكبوت : ٢٥ ] وقال حكاية عن الكفار :﴿فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [ الشعراء : ١٠٠ ] وقال :﴿وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ﴾ [ البقرة : ٢٧٠ ] وأما قوله :﴿وَلاَ شفاعة﴾ يقتضي نفي كل الشفاعات.
واعلم أن قوله :﴿وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة﴾ عام في الكل، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى :﴿واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [ البقرة : ٢٨١ ] ﴿لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة﴾ [ البقرة : ٤٨ ].
واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها : أن كل أحد يكون مشغولاً بنفسه، على ما قال تعالى :﴿لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ﴾ [ عبس : ٣٧ ] والثاني : أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال :﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى﴾ [ الحج : ٢ ] والثالث : أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين، وإذا صار مبغضاً لهما صار مبغضاً لمن كان موصوفاً بهما. أ هـ ﴿مفاتيح الغيب حـ ٦ صـ ١٧٥﴾
قال القرطبى :
أخبر الله تعالى ألاّ خُلّة في الآخرة ولا شفاعة إلاَّ بإذن الله.
وحقيقتها رحمة منه تعالى شرّف بها الذي أذن له في أن يشفع. أ هـ ﴿تفسير القرطبى حـ ٣ صـ ٢٦٦﴾
قال أبو حيان :