البحر المحيط، ج ١، ص : ٣٢١
ينحصر، لم يترك البحر في جوفه منهم واحدا. وقيل : تنظرون أي بعضكم إلى بعض وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له : أين أصحابنا؟ فقال :
سيروا، فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا : لا نرضى حتى نراهم، فأوحى اللّه إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان، فصار بها كوى، فتراءوا وتسامعوا كلام بعضهم بعضا. وهذه الأقوال الخمسة النظر فيها بمعنى الرؤية، وقيل : النظر تجوز به عن القرب، أي وأنتم بالقرب منهم، أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم : أنت مني بمرأى ومسمع، أي قريب بحيث أراك وأسمعك، قاله ابن الأنباري. وقيل : هو من نظر البصيرة والعقل، ومعناه : وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت إليهم.
وقيل : النظر هنا بمعنى العلم، لأن العلم يحصل عن النظر، فكنى به عنه، قاله الفراء، وهو معنى قول ابن عباس.
وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً قرأ الجمهور : واعدنا، وقرأ أبو عمرو : وعدنا بغير ألف هنا، وفي الأعراف وطه، ويحتمل واعدنا، أن يكون بمعنى وعدنا، ويكون صدر من واحد، ويحتمل أن يكون من اثنين على أصل المفاعلة، فيكون اللّه قد وعد موسى الوحي، ويكون موسى وعد اللّه المجيء للميقات، أو يكون الوعد من اللّه وقبوله كان من موسى، وقبول الوعد يشبه الوعد. قال القفال : ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد اللّه بمعنى يعاهده.
وقيل : وعد إذا كان عن غير طلب، وواعد إذا كان عن طلب. وقد رجح أبو عبيد قراءة من قرأ : وعدنا بغير ألف، وأنكر قراءة من قرأ : واعدنا بالألف، وافقه على معنى ما قال أبو حاتم ومكي. وقال أبو عبيد : المواعدة لا تكون إلا من البشر، وقال أبو حاتم : أكثر ما تكون المواعدة من المخلوقين المتكافئين، كل واحد منهما يعد صاحبه، وقد مر تخريج واعد على تلك الوجوه السابقة، ولا وجه لترجيح إحدى القراءتين على الأخرى، لأن كلا منهما متواتر، فهما في الصحة على حدّ سواء. وأكثر القراء على القراءة بألف، وهي قراءة مجاهد، والأعرج، وابن كثير، ونافع، والأعمش، وحمزة، والكسائي. موسى : هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن. وذكر الشريف أبو البركات محمد بن أسعد بن علي الحوّاني النسابة : أن موسى على نبينا وعليه السلام هو : موسى بن عمران بن قاهث، وتقدّم الكلام في لفظ موسى العلم. وأما موسى الحديدة، التي يحلق بها الشعر، فهي مؤنثة عربية مشتقة من : أسوت الشيء، إذا أصلحته، ووزنها مفعل، وأصلها الهمز، وقيل : اشتقاقها من : أوسيت إذا حلقت، وهذا الاشتقاق أشبه بها، ولا أصل للواو في الهمز على هذا. أَرْبَعِينَ لَيْلَةً : ذو