مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٠٧
[في قوله تعالى قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إلى قوله كافِرُونَ ] اعلم انا ذكرنا ان الملا عبارة عن القوم الذين تمتلئ القلوب من هيبتهم، ومعنى الآية قال الملا وهم الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا، يريد المساكين الذين آمنوا به، وقوله : لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بدل من قوله : لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لأنهم المؤمنون. واعلم انه وصف أولئك الكفار بكونهم مستكبرين، ووصف أولئك المؤمنين بكونهم مستضعفين، وكونهم مستكبرين فعل استوجبوا به الذم، وكون المؤمنين مستضعفين معناه : ان غيرهم يستضعفهم ويستحقرهم، وهذا ليس فعلا صادرا عنهم بل عن غيرهم، فهو لا يكون صفة ذم حقهم، بل الذم عائد إلى الذين يستحقرونهم ويستضعفونهم. ثم حكى تعالى ان هؤلاء المستكبرين سألوا المستضعفين عن حال صالح فقال المتضعفون نحن موقنون مصدقون بما جاء به صالح. وقال المستكبرون : بل نحن كافرون بما جاء به صالح، وهذه الآية من أعظم ما يحتج به في بيان ان الفقر خير من الغنى، وذلك لان الاستكبار انما يتولد من كثرة المال والجاه، والاستضعاف انما يحصل من قلتهما، فبين تعالى ان كثرة المال والجاه حملهم على التمرد، والآباء، والإنكار، والكفر، وقلة المال والجاه حملهم على الايمان، والتصديق والانقياد، وذلك يدل على ان الفقر خير من الغنى.
ثم قال تعالى : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ قال الازهري : العقر عند العرب، كشف عرقوب البعير، ولما كان العقر سببا للنحر اطلق العقر على النحر إطلاقا لاسم السبب على المسبب. واعلم انه أسند العقر إلى جميعهم، لأنه كان برضاهم مع انه ما باشره الا بعضهم، وقد يقال للقبيلة العظيمة : أنتم فعلتم كذا مع انه ما فعله الا واحد منهم.
ثم قال : وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ يقال : عتا يعتو عتوا، إذا استكبر. ومنه يقال : جبار عات قال مجاهد :
العتو الغلو في الباطل وفي قوله : عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وجهان : الاول : معناه استكبروا عن امتثال امر ربهم وذلك الأمر هو الذي أوصله اللّه إليهم على لسان صالح عليه السلام وهو قوله : فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ [الأعراف : ٧٣] الثاني : ان يكون المعنى وصدر عتوهم عن امر ربهم، فكان امر ربهم بتركها صار سببا في اقدامهم على ذلك العتو، كما يقال : الممنوع متبوع وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ وانما قالوا ذلك، لأنهم كانوا مكذبين له في كل ما اخبر عنه من الوعد والوعيد.
ثم قال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قال الفراء والزجاج : هي الزلزلة الشديدة. قال تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا [المزمل : ١٤] قال الليث : يقال رجف الشيء يرجف رجفا ورجفانا كرجفان البعير تحت الرحل، وكما يرجف الشجر إذا ارجفته الريح.
ثم قال : فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ يعنى في بلدهم ولذلك وحد الدار كما يقول : دار الحرب ومررت بدار البزازين، وجمع في آية اخرى فقال : فِي دِيارِهِمْ [هود : ٩٤] لأنه أراد بالدار ما لكل واحد منهم من منزله الخاص به. وقوله : جاثِمِينَ قال ابو عبيدة : الجثوم للناس والطير، بمنزلة البروك للابل،


الصفحة التالية
Icon