مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٠٨
فجثوم الطير هو وقوعه لاطئا بالأرض في حال سكونه بالليل، والمعنى : انهم أصبحوا جاثمين خامدين لا يتحركون موتى، يقال : الناس جثم اى قعود لا حراك بهم ولا يحسون بشيء، ومن المجثمة التي جاء النهى عنها، وهي البهيمة التي تربط لترمى، فثبت ان الجثوم عبارة عن السكون والخمود، ثم اختلفوا، فمنهم من قال : لما سمعوا الصيحة العظيمة تقطعت قلوبهم وماتوا جاثمين على الركب، وقيل بل سقطوا على وجوههم، وقيل وصلت الصاعقة إليهم فاحترقوا وصاروا كالرماد. وقيل : بل عند نزول العذاب عليهم سقط بعضهم على بعض، والكل متقارب. وهاهنا سؤالات :
السؤال الاول : انه تعالى لما حكى عنهم انهم قالوا : يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ قال تعالى : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ والفاء للتعقيب وهذا يدل على ان الرجفة اخذتهم عقيب ما ذكروا ذلك الكلام وليس الأمر كذلك، لأنه تعالى قال في آية اخرى : فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود : ٦٥].
والجواب : ان الذي يحصل عقيب الشيء بمدة قليلة قد يقال فيه انه حصل عقيبه فزال السؤال.
السؤال الثاني : طعن قوم من الملحدين في هذه الآيات بان ألفاظ القرآن قد اختلفت في حكاية هذه الواقعة، وهي الرجفة والطاغية والصيحة، وزعموا ان ذلك يوجب التناقض.
والجواب : قال ابو مسلم : الطاغية اسم لكل ما تجاوز حده سواء كان حيوانا او غير حيوان والحق الهاء به للمبالغة، فالمسلمون يسمون الملك العاتي بالطاغية والطاغوت. وقال تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق : ٦ ٧] ويقال : طغى طغيانا وهو طاغ وطاغية. وقال تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها [الشمس : ١١] وقال في غير الحيوان : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [الحاقة : ١١] اى غلب وتجاوز عن الحد، واما الرجفة، فهي الزلزلة في الأرض، وهي حركة خارجة عن المعتاد، فلم يبعد اطلاق اسم الطاغية عليها، واما الصيحة، فالغالب ان الزلزلة لا تنفك عن الصيحة العظيمة الهائلة واما الصاعقة، فالغالب انها الزلزلة وكذلك الزجرة قال تعالى : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [النازعات : ١٣ ١٤] فبطل ما قال الطاعن.
السؤال الثالث : ان القوم قد شاهدوا خروج الناقة عن الصخرة وذلك معجزة قاهرة تقرب حال المكلفين عند مشاهدة هذه المعجزة من الإلجاء، وايضا شاهدوا ان الماء الذي كان شربا لكل أولئك الأقوام في احد اليومين، كان شربا لتلك الناقة الواحدة في اليوم الثاني، وذلك ايضا معجزة قاهرة، ثم ان القوم لما نحروها، وكان صالح عليه السلام قد توعدهم بالعذاب الشديد ان / نحروها، فلما شاهدوا بعد اقدامهم على نحرها آثار العذاب، وهو ما يروى انهم احمروا في اليوم الاول، ثم اصفروا في اليوم الثاني، ثم اسودوا في اليوم الثالث، فمع مشاهدة تلك المعجزات القاهرة في أول الأمر، ثم شاهدا نزول العذاب الشديد في آخر الأمر، هل يحتمل ان يبقى العاقل مع هذه الأحوال مصرا على كفره غير تائب منه؟
والجواب الاول ان يقال : انهم قبل ان شاهدوا تلك العلامات كانوا يكذبون صالحا في نزول العذاب فلما شاهدوا العلامات خرجوا عند ذلك عن حد التكليف وخرجوا عن ان تكون توبتهم مقبولة.
ثم قال تعالى : فَتَوَلَّى عَنْهُمْ [إلى آخر الآية] وفيه قولان : الاول : انه تولى عنهم بعد ان ماتوا، والدليل عليه انه تعالى