مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٠٩
قال : فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ والفاء تدل على التعقيب فدل على انه حصل هذا التولي بعد جثومهم. والثاني : انه عليه السلام تولى عنهم قبل موتهم بدليل : انه خاطب القوم وقال : يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ وذلك يدل على كونهم احياء من ثلاثة أوجه :
أحدهما : انه قال لهم : يا قَوْمِ والأموات لا يوصفون بالقوم لان اشتقاق لفظ القوم من الاستقلال بالقيام وذلك في حق الميت مفقود. والثاني : ان هذه الكلمات خطاب مع أولئك وخطاب الميت لا يجوز. والثالث :
انه قال : وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ فيجب ان يكونوا بحيث يصح حصول المحبة فيهم ويمكن ان يجاب عنه فنقول : قد يقول الرجل لصاحبه وهو ميت وكان قد نصحه فلم يقبل تلك النصيحة حتى القى نفسه في الهلاك يا اخي منذ كم نصحتك فلم تقبل وكم منعتك فلم تمتنع فكذا هاهنا والفائدة في ذكر هذا الكلام اما لان يسمعه بعض الأحياء فيعتبر به وينزجر عن مثل تلك الطريقة واما لأجل انه احترق قلبه بسبب تلك الواقعة فإذا ذكر ذلك الكلام فرجت تلك القضية عن قلبه. وقيل : يخف عليه اثر تلك المصيبة وذكروا جوابا آخر وهو : ان صالحا عليه السلام خاطبهم بعد كونهم جاثمين كما ان نبينا عليه الصلاة والسلام خاطب قتلى بدر.
فقيل : تتكلم مع هؤلاء الجيف فقال :«ما أنتم باسمع منهم لكنهم لا يقدرون على الجواب».
[سورة الأعراف (٧) : آية ٨٠]
وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٨٠)
اعلم ان هذا هو القصة الرابعة قال النحويون : انما صرف لوط ونوح لخفته فانه مركب من ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ا تفعلون السيئة المتمادية في القبح؟ وفي قوله : ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ وفيه بحثان :
البحث الاول : قال صاحب «الكشاف» :(من) الاولى زائدة لتوكيد النفي وافادة معنى الاستغراق والثانية للتبعيض.
فان قيل : كيف يجوز ان يقال : ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ مع ان الشهوة داعية إلى ذلك العمل ابدا؟
والجواب : انا نرى كثيرا من الناس يستقذر ذلك العمل، فإذا جاز في الكثير منهم استقذاره لم يبعد ايضا انقضاء كثير من الأعصار بحيث لا يقدم احد من اهل تلك الأعصار عليه وفيه وجه آخر وهو ان يقال : لعلهم بكليتهم اقبلوا على ذلك العمل والإقبال بالكلية على ذلك العمل مما لم يوجد في الأعصار السابقة. قال الحسن : كانوا ينكحون الرجالفي ادبارهم وكانوا لا ينكحون الا الغرباء وقال عطاء عن ابن عباس : استحكم ذلك فيهم حتى فعل بعضهم ببعض.
البحث الثاني : قوله : ما سَبَقَكُمْ يجوز ان يكون مستأنفا في التوبيخ لهم ويجوز ان يكون صفة الفاحشة كقوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس : ٣٧] وقال الشاعر :
ولقد امر على اللئيم يسبني
ثم قال :
[سورة الأعراف (٧) : آية ٨١]
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)