مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣١٠
وفيه مسائل :
المسألة الاولى : قرا نافع وحفص عن عاصم إِنَّكُمْ بكسر الالف ومذهب نافع ان يكتفى بالاستفهام بالأولى من الثاني في كل القرآن. وقرا ابن كثير ا إنكم بهمزة غير ممدودة وبين الثانية وقرا ابو عمرو بهمزة ممدودة بالتخفيف وبين الثانية والباقون بهمزتين على الأصل. قال الواحدي : من استفهم كان هذا استفهاما معناه الإنكار لقوله : أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ [الأعراف : ٨٠] وكل واحد من الاستفهامين جملة مستقلة لا تحتاج في تمامها إلى شيء.
المسألة الثانية : قوله : شَهْوَةً مصدر. قال ابو زيد شهى يشهي شهوة وانتصابها على المصدر لان قوله : لَتَأْتُونَ الرِّجالَ معناه أتشتهون شهوة؟ وان شئت قلت انها مصدر وقع موقع الحال.
المسألة الثالثة : في بيان الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل.
اعلم ان قبح هذا العمل كالامر المقرر في الطباع فلا حاجة فيه إلى تعديد الوجوه على التفصيل ثم نقول موجبات القبح فيه كثيرة : أولها : ان اكثر الناس يحترزون عن حصول الولد لان حصوله يحمل الإنسان على طلب المال واتعاب النفس في الكسب الا انه تعالى جعل الوقاع سببا لحصول اللذة العظيمة حتى ان الإنسان بطلب تلك اللذة يقدم على الوقاع وحينئذ يحصل الولد شاء أم ابى وبهذا الطريق يبقى النسل ولا ينقطع النوع فوضع اللذة في الوقاع كشبه الإنسان الذي وضع الفخ لبعض الحيوانات فانه لا بد وان يضع في ذلك الفخ شيئا يشتبهه ذلك الحيوان حتى يصير سببا لوقوعه في ذلك الفخ فوضع اللذة في الوقاع يشبه وضع الشيء الذي يشتهيه الحيوان في الفخ والمقصود منه إبقاء النوع الانساني الذي هو اشرف الأنواع.
إذا ثبت هذا فنقول : لو تمكن الإنسان من تحصيل تلك اللذة بطريق لا تفضي إلى الولد لم تحصل الحكمة المطلوبة ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل وذلك على خلاف حكم اللّه فوجب الحكم بتحريمه قطعا حتى تحصل تلك اللذة بالطريق المفضي إلى الولد.
والوجه الثاني : وهو ان الذكورة مظنة الفعل والأنوثة مظنة الانفعال فإذا صار الذكر منفعلا والأنثى فاعلا كان ذلك على خلاف مقتضى الطبيعة وعلى عكس الحكمة الإلهية.
والوجه الثالث : الاشتغال بمحض الشهوة تشبه بالبهيمة وإذا كان الاشتغال بالشهوة يفيد فائدة اخرى سوى قضاء الشهوة فليكن قضاء الشهوة من المرأة يفيد فائدة اخرى سوى قضاء الشهوة وهو حصول الولد وإبقاء النوع الانساني الذي هو اشرف الأنواع فاما قضاء الشهوة من الذكر فانه لا يفيد الا مجرد قضاء الشهوة فكان ذلك تشبها بالبهائم وخروجا عن الغريزة الانسانية فكان في غاية القبح.
والوجه الرابع : هب ان الفاعل يلتذ بذلك العمل الا انه يبقى في إيجاب العار العظيم والعيب الكامل بالمفعول على وجه لا يزول ذلك العيب عنه ابد الدهر والعاقل لا يرضى لأجل لذة خسيسة منقضية في الحال إيجاب العيب الدائم الباقي بالغير.
والوجه الخامس : انه عمل يوجب استحكام العداوة بين الفاعل والمفعول وربما يؤدي ذلك إلى اقدام المفعول على قتل الفاعل لأجل انه ينفر طبعه عند رؤيته او على إيجاب انكائه بكل طريق يقدر عليه. اما