مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣١١
حصول هذا العمل بين الرجل والمرأة فانه يوجب استحكام الالفة والمودة وحصول المصالح الكبيرة كما قال تعالى : خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم : ٢١].
والوجه السادس : انه تعالى أودع في الرحم قوة شديدة الجذب للمني فإذا واقع الرجل المرأة قوي الجذب فلم يبق شيء من المني في المجاري الا وينفصل. اما إذا واقع الرجل فلم يحصل في ذلك العضو المعين من المفعول قوة جاذبة للمني وحينئذ لا يكمل الجذب فيبقى شيء من أجزاء المني في تلك المجاري ولا ينفصل ويعفن ويفسد ويتولد منه الأورام الشديدة والأسقام العظيمة وهذه فائدة لا يمكن معرفتها الا بالقوانين الطيبة فهذه هي الوجوه الموجبة لقبح هذا العمل ورأيت بعض من كان ضعيفا في الدين يقول : انه تعالى قال : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ [المؤمنون : ٥ المعارج :
٢٩] وذلك يقتضي حل وطء المملوك مطلقا سواء كان ذكرا او أنثى قال : ولا يمكن ان يقال انا نخصص هذا العموم بقوله تعالى : أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ [الشعراء : ١٦٥] وقوله : أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ [الأعراف : ٨٠] قال لان هاتين الآيتين كل واحد منهما أعم من الاخرى من وجه وأخص من وجه وذلك لان المملوك قد يكون ذكرا وقد يكون أنثى وايضا الذكر قد يكون مملوكا وقد لا يكون مملوكا وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تخصيص إحداهما بالأخرى اولى من العكس والترجيح من هذا الجانب لان قوله : إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ شرع محمد وقصة لوط شرع سائر الأنبياء وشرع محمد عليه الصلاة والسلام اولى من شرع من تقدمه من الأنبياء وايضا الأصل في المنافع والملاذ الحل وايضا الملك مطلق للتصرف. فقل له الاستدلال انما يقبل في موضع الاحتمال وقد ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد حرمة هذا العمل والمبالغة في المنع منه والاستدلال إذا وقع في مقابلة النقل المتواتر كان باطلا.
ثم قال تعالى حكاية عن لوط انه قال لهم : بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ والمعنى كأنه قال لهم : أنتم مسرفون في كل الأعمال فلا يبعد منكم ايضا اقدامكم على هذا الإسراف.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٨٢]
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)
والمراد منه اخرجوا لوطا واتباعه لأنه تعالى في غير هذه السورة قال : أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ [النمل : ٥٦] ولان الظاهر انهم انما سعوا في إخراج من نهاهم عن العمل الذي يشتهونه ويريدونه وذلك الناهي ليس الا لوطا وقومه وفي قوله : يَتَطَهَّرُونَ وجوه : الاول :/ ان ذلك العمل تصرف في موضع النجاسة فمن تركه فقد تطهر. والثاني : ان البعد عن الإثم يسمى طهارة فقوله : يَتَطَهَّرُونَ اي يتباعدون عن المعاصي والآثام. الثالث : انهم انما قالوا : أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ على سبيل السخرية بهم وتطهرهم من الفواحش كما يقول الشيطان من الفسقة لبعض الصلحاء إذا وعظهم : ابعدوا عنا هذا المتقشف واريحونا من هذا المتزهد.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ٨٣ إلى ٨٤]
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٨٣) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)


الصفحة التالية
Icon