مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣١٢
اعلم ان قوله فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ يحتمل ان يكون المراد من اهله انصاره واتباعه الذين قبلوا دينه ويحتمل ان يكون المراد المتصلين به بالنسب. قال ابن عباس : المراد ابنتاه. وقوله : إِلَّا امْرَأَتَهُ اي زوجته. يقال :
امراة الرجل بمعنى زوجته. ويقال : رجل المرأة بمعنى زوجها لان الزوج بمنزلة المالك لها وليست المرأة بمنزلة المالك للرجل فإذا أضيفت إلى الرجل بالاسم العام عرفت الزوجية وملك النكاح والرجل إذا أضيف إلى المرأة بالاسم العام تعرف الزوجية. وقوله : كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ يقال : غير الشيء يغبر غبورا إذا مكث وبقي. قال الهذلي :
فغبرت بعدهم بعيش ناصب وإخال انى لا حق مستتبع
يعني بقيت فمعنى الآية : انها كانت من الغابرين عن النجاة اي من الذين بقوا عنها ولم يدركوا النجاة يقال فلان غبر هذا الأمر اى لم يدركه ويجوز ان يكون المراد انها لم تسر مع لوط واهله بل تخلفت عنه وبقيت في ذلك الموضع الذي هو موضع العذاب.
ثم قال : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً يقال : مطرت السماء وأمطرت والاول افصح وامطرهم مطرا وعذابا وكذلك أمطر عليهم والمراد انه تعالى أمطر عليهم حجارة من السماء بدليل انه تعالى قال في آية اخرى : وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ [الحجر : ٧٤].
ثم قال : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وفيه مسألتان :
المسألة الاولى : ظاهر هذا اللفظ وان كان مخصوصا بالرسول عليه السلام الا ان المراد سائر المكلفين ليعتبروا بذلك فينزجروا.
فان قيل : كيف يعتبرون بذلك وقد آمنوا من عذاب الاستئصال؟
قلنا : ان عذاب الآخرة أعظم وأدون من ذلك فعند سماع هذه القصة يذكرون عذاب الآخرة مؤنية على عذاب الاستئصال ويكون ذلك زجرا وتحذيرا.
المسألة الثانية : مذهب الشافعي رضي اللّه عنه : ان اللواطة توجب الحد. وقال ابو حنيفة : لا توجبه.
وللشافعي رحمه اللّه : ان يحتج بهذه الآية من وجوه : الاول : انه ثبت في شريعة لوط عليه السلام رجم اللوطي والأصل في الثابت البقاء الا ان يظهر طريان الناسخ ولم يظهر في شرع محمد عليه الصلاة والسلام ناسخ هذا الحكم فوجب القول ببقائه. الثاني : قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الانعام : ٩٠] قد بينا في تفسير هذه الآية انها تدل على ان شرع من قبلنا حجة علينا. والثالث : انه تعالى قال : فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ والظاهر ان المراد من هذه العاقبة ما سبق ذكره وهو إنزال الحجر عليهم ومن المجرمين الذين يعملون عمل قوم لوط لان ذلك هو المذكور السابق فينصرف اليه فصار تقدير الآية : فانظر كيف أمطر اللّه الحجارة على من يعمل ذلك العمل المخصوص وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم فهذه الآية تقتضي كون هذا الجرم المخصوص علة لحصول هذا الزاجر المخصوص وإذا ظهرت العلة وجب ان يحصل هذا الحكم أينما حصلت هذه العلة.
[سورة الأعراف (٧) : آية ٨٥]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨٥)


الصفحة التالية
Icon