مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٢٥
الى الأمم الذين تقدم ذكرهم باهلاكهم وقوله : بِآياتِنا فيه مباحث.
البحث الاول : هذه الآية تدل على ان النبي لا بد له من آية ومعجزة بها يمتاز عن غيره، إذ لو لم يكن مختصا بهذه الآية لم يكن قبول قول اولى من قبول قول غيره.
والبحث الثاني : هذه الآية تدل على انه تعالى آتاه آيات كثيرة ومعجزات كثيرة.
والبحث الثالث : قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : أول آياته العصا ثم اليد ضرب بالعصا باب فرعون ففزع منها فشاب رأسه فاستحيا فخضب بالسواد فهو أول من خضب. قال : وآخر الآيات الطمس. قال :
وللعصا فوائد كثيرة منها ما هو مذكور في القرآن كقوله : هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى [طه : ١٨] وذكر اللّه من تلك المآرب في القرآن قوله : اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً [البقرة : ٦٠] وذكر ابن عباس أشياء اخرى منها : انه كان يضرب الأرض بها فتنبت ومنها : انه كانت تحارب اللصوص والسباع التي كانت تقصد غنمه ومنها : انها كانت تشتعل في الليل كاشتعال الشمعة ومنها : انها كانت تصير كالحبل الطويل فينزح به الماء من البئر العميقة.
واعلم ان الفوائد المذكورة في القرآن معلومة فاما الأمور التي هي غير مذكورة في القرآن / فكل ما ورد به خبر صحيح فهو مقبول وما لا فلا وقوله انه كان يضرب بها الأرض فتخرج النبات ضعيف لان القرآن يدل على ان موسى عليه السلام كان يفزع إلى العصا في الماء الخارج من الحجر وما كان يفزع إليها في طلب الطعام.
اما قوله : فَظَلَمُوا بِها اي فظلموا بالآيات التي جاءتهم لان الظلم وضع الشيء في غير موضعه فلما كانت تلك الآيات قاهرة ظاهرة ثم انهم كفروا بها فوضعوا الإنكار في موضع الإقرار والكفر في موضع الايمان كان ذلك ظلما منهم على تلك الآيات.
ثم قال : فَانْظُرْ اي بعين عقلك كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وكيف فعلنا بهم.
[سورة الأعراف (٧) : الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]
وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٤) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٠٥) قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)
في الآية مسائل :
المسألة الاولى : اعلم انه كان يقال لملوك مصر : الفراعنة كما يقال لملوك فارس : الاكاسرة فكأنه قال : يا ملك مصر وكان اسمه قايوس وقيل : الوليد بن مصعب بن الريان.
المسألة الثانية : قوله : إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ فيه اشارة إلى ما يدل على وجود الإله تعالى فان قوله : رَبِّ الْعالَمِينَ يدل على ان العالم موصوف بصفات لأجلها افتقر إلى رب يربيه واله يوجده ويخلقه.
ثم قال : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ والمعنى ان الرسول لا يقول الا الحق، فصار نظم الكلام كأنه قال : انا رسول اللّه ورسول اللّه لا يقول الا الحق ينتج اني لا أقول الا الحق ولما كانت