مفاتيح الغيب، ج ١٤، ص : ٣٢٦
المقدمة الاولى خفية وكانت المقدمة الثانية جلية ظاهرة ذكر ما يدل على صحة المقدمة الاولى وهو قوله :
قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وهي المعجزة الظاهرة ولما قرر رسالة نفسه فرع عليه تبليغ الحكم وهو قوله : فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ ولما سمع فرعون هذا / الكلام قال : إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ واعلم ان دليل موسى عليه السلام كان مبنيا على مقدمات : احداها : ان لهذا العالم الها قادرا عالما حكيما. والثانية : انه أرسله إليهم بدليل انه اظهر المعجز على وفق دعواه ومتى كان الأمر كذلك وجب ان يكون رسولا حقا. والثالثة : انه متى كان الأمر كذلك كان كل ما يبلغه من اللّه إليهم فهو حق وصدق. ثم ان فرعون ما نازعه في شيء من هذه المقدمات الا في طلب المعجزة وهذا يوهم انه كان مساعدا على صحة سائر المقدمات وقد ذكرنا في سورة طه ان العلماء اختلفوا في ان فرعون هل كان عارفا بربه أم لا؟ ولمجيب ان يجيب فيقول : ان ظهور المعجزة يدل أولا على وجود الإله القادر المختار، وثانيا : على ان الإله جعله قائما مقام تصديق ذلك الرسول، فلعل فرعون كان جاهلا بوجود الإله القادر المختار، وطلب منه اظهار تلك البينة حتى انه ان أظهرها واتى بها كان ذلك دليلا على وجود الإله أولا وعلى صحة نبوته ثانيا وعلى هذا التقدير :
لا يلزم من اقتصار فرعون على طلب البينة كونه مقرا بوجود الإله الفاعل المختار.
المسألة الثالثة : قرا نافع حَقِيقٌ عَلى مشدد الياء والباقون بسكون الياء والتخفيف. اما قراءة نافع فحقيق يجوز ان يكون بمعنى فاعل. قال الليث : حق الشيء معناه وجب ويحق عليك ان تفعل كذا وحقيق على ان افعله بمعنى فاعل والمعنى : واجب على ترك القول على اللّه الا بالحق ويجوز ان يكون بمعنى مفعول وضع فعيل في موضع مفعول. تقول العرب : حق علي ان افعل كذا واني لمحقوق على ان افعل خيرا اي حق على ذلك بمعنى استحق.
إذا عرفت هذا فنقول : حجة نافع في تشديد الياء ان حق يتعدى بعلى قال تعالى : فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا [الصافات : ٣١] وقال : فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
[الإسراء : ١٦] فحقيق يجوز ان يكون موصولا بحرف على من هذا الوجه وايضا فان قوله : حَقِيقٌ بمعنى واجب فكما ان وجب يتعدى بعلى كذلك حقيق ان أريد به وجب يتعدى بعلى. واما قراءة العامة حَقِيقٌ عَلى بسكون الياء ففيه وجوه : الاول : ان العرب تجعل الباء في موضع «على» تقول : رميت على القوس وبالقوس وجئت على حال حسنة وبحال حسنة. قال الأخفش :
وهذا كما قال : وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ [الأعراف : ٨٦] فكما وقعت الباء في قوله : بِكُلِّ صِراطٍ موضع «على» كذلك وقعت كلمة «على» موقع الباء في قوله : حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ يؤكد هذا الوجه قراءة عبد اللّه حقيق بان لا أقول وعلى هذه القراءة فالتقدير : انا حقيق بان لا أقول وعلى قراءة نافع يرتفع بالابتداء وخبره أَنْ لا أَقُولَ الثاني : ان الحق هو الثابت الدائم والحقيق مبالغة فيه وكان المعنى : انا ثابت مستمر على ان لا أقول الا الحق. الثالث : الحقيق هاهنا / بمعنى المحقوق وهو من قولك : حققت الرجل إذا ما تحققته وعرفته على يقين ولفظة (على) هاهنا هي التي تقرن بالأوصاف اللازمة الاصلية كقوله تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها [الروم : ٣٠] وتقول : جاءني فلان على هيئته وعادته وعرفته وتحققته على كذا وكذا من الصفات فمعنى الآية : اني لم اعرف ولم أتحقق الا على قول الحق. واللّه اعلم.
اما قوله : فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ اي اطلق عنهم وخلهم وكان فرعون قد استخدمهم في الأعمال